7 أقليات في العراق على حافة الاختفاء… من وطنٍ متعدد إلى ساحة إقصاء

صورة فوتوغرافية لطقوس معمودية مندائية في السويد

إيهاب مقبل

منذ عام 2003، تحولت خريطة العراق إلى مسرح مأساوي للأقليات، حيث تتصارع الحياة مع الموت، والحقوق مع التجاهل، والأمان مع الخوف الدائم. العراق، مهد الحضارات وأرض الأديان والمكونات العرقية، أصبح اليوم شاهداً على نزوح جماعي، إبادة ثقافية، ونهب للحقوق التاريخية. الإيزيديون والمسيحيون والفلسطينيون، والشبك، التركمان، الأكراد الفيليون، والصابئة المندائيون… كلهم يعيشون على خطّ الهاوية، بين وعود القانون وبشاعة الواقع، محاولين فقط البقاء على قيد الحياة. هذا المقال يرسم صورة صارخة لمعاناتهم المستمرة منذ سقوط النظام السابق، ويكشف حجم الظلم الذي ألحق بهم، ليكون شاهداً على صراع البقاء الذي يخوضونه يوميًا.

الأكراد الإيزيديون: ضحايا الإبادة الجماعية وتهميش سياسي
الإيزيديون، الذين يعيشون أساسًا في سنجار والمناطق المحيطة، تعرضوا في عام 2014 لهجوم إبادة جماعية على يد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، مما أسفر عن آلاف القتلى والمخطوفين، بينما فرّت أسر بأكملها لتواجه النزوح والدمار. وحتى بعد هزيمة داعش، لا تزال هذه الجماعة تكافح لإعادة بناء حياتها واستعادة ممتلكاتها، وسط بطء ملحوظ في عمليات إعادة الإعمار. وحتى عام 2023، يُقدّر أن نحو 360,000 إيزيدي ما زالوا في مخيمات للنازحين داخليًا ضمن إقليم كردستان العراق، يعيشون في ظروف إنسانية هشة، مع نقص في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه النظيفة والصرف الصحي والرعاية الصحية. ويضاف إلى ذلك انعدام الثقة بالمؤسسات الرسمية نتيجة تأخر الحكومة العراقية في تنفيذ خطط إعادة الإعمار، رغم إطلاق خطة حكومية خاصة بسنجار عام 2020 لم تُفعَّل فعليًا، ما جعل كثيرًا من الإيزيديين يعيشون بين الحنين إلى ديارهم والخوف من مستقبل غير مضمون. علاوة على ذلك، يعاني الإيزيديون من ضعف تمثيلهم في الحكومة العراقية والمؤسسات الرسمية، مما يحد من قدرتهم على المشاركة في صناعة القرار ويزيد من شعورهم بالتهميش السياسي والاقتصادي، ويجعل المطالب المتعلقة بحقوقهم وممتلكاتهم تواجه تأخيرًا أو تجاهلًا مستمرًا. ومنذ عام 2014، فرّ ما لا يقل عن 90,000 شخص من الإيزيديين خارج العراق من أصل 400 إلى 500 ألف، أي نحو 20 إلى 25% من المجتمع الإيزيدي، بحثًا عن الأمن والاستقرار في الخارج.

المسيحيون: تهجير، تراجع ديموغرافي وتمييز شامل
المسيحيون من الآشوريين والكلدان والسريان يعيشون معاناة مستمرة منذ 2003، خاصة في الموصل وسهل نينوى. تدمير الكنائس والممتلكات، إلى جانب ضعف التمثيل السياسي، جعل حياتهم اليومية محفوفة بالخوف وعدم اليقين، ويجدون صعوبة في الحفاظ على تراثهم وهويتهم العريقة. إضافة إلى ذلك، أصبح المسيحيون ضحايا التمييز في فرص العمل والتعليم، فضلاً عن تقييدهم بقوانين مجحفة تحد من حقوقهم المدنية والاجتماعية. وأشار الكاردينال لويس ساكو إلى أنه “في العام 2014 تأسست ميليشيا استحوذت على ممتلكات مسيحيين في بغداد وسهل نينوى، وصادرت مقاعدهم البرلمانية المخصصة، لكنها في الواقع لم تمثل المسيحيين بل سعت إلى تهميشهم سياسيًا”.

أحد أبرز ما ركز عليه البطريرك ساكو هو التراجع الديموغرافي المقلق للمسيحيين في العراق، إذ أشار إلى أن أعدادهم انخفضت من نحو مليون ونصف المليون قبل العام 2003 إلى ما يقارب 400 – 500 ألف فقط اليوم، أي نزوح نحو 67% منهم خارج العراق. وفي مدينة الموصل، أوضح ساكو أن “الموصل كانت تحتضن 50 ألف مسيحي قبل 2003، لم يتبقَّ سوى 70 عائلة فقط. أما في القرى التابعة لسهل نينوى، فما زالت تعاني من غياب الخدمات وفرص العمل، ما يجعل الحياة فيها شبه مستحيلة”.

العرب الفلسطينيون: حرمان قانوني ونزوح جماعي
الفلسطينيون في العراق يواجهون مأساة متعددة الأبعاد منذ عام 2003، فهم محرومون من الجنسية العراقية، ولا يحق لهم تملك عقار، ولا تسجيل مركبة أجرة، ولا العمل في القطاع العام، كما تم إيقاف الرواتب التقاعدية عن أسر المتوفى بعد وفاته. ويعود وجود الفلسطينيين في العراق إلى بدايات القرن العشرين، إذ إن معظمهم وصلوا من حيفا عام 1948 برفقة الجيش العراقي، واستقروا لاحقًا في مدن عراقية مختلفة، ليصبحوا جزءًا من النسيج الاجتماعي للبلاد. ورغم هذا التاريخ الطويل، يعيش في العراق اليوم نحو 4 آلاف فلسطيني فقط، يتركز معظمهم في بغداد ونينوى، من أصل 40 ألف لاجئ فلسطيني كانوا موجودين قبل دخول الاحتلال الأمريكي عام 2003، حيث تعرضوا لحملات تهجير منظمة، أي نزوح نحو 90% منهم خارج العراق. هذه القيود القانونية والاجتماعية تضع الفلسطينيين في حالة هشاشة شديدة، وتجعل حياتهم اليومية صعبة للغاية، مع محدودية الوصول إلى الحقوق الأساسية والخدمات، وتزيد من معاناتهم الإنسانية والاقتصادية.

الشبك: الضغط السياسي والتمييز الاجتماعي
الشبك الذين يقطنون مناطق مختلطة بين العرب والكرد يعانون من ضغوط سياسية وطائفية مستمرة. وبحسب الإحصائيات التي أعلنتها الأمم المتحدة، فإن تعدادهم يبلغ حوالي 350 ألف نسمة يعيشون في أكثر من 72 قرية ومجمعًا تقع في أقضية الحمدانية وبعشيقة وبرطلة، أو ما يسمى بسهل نينوى. ويواجه الشبك تمييزًا مستمرًا وبخسًا في حقوقهم ومحو هويتهم الثقافية، إضافة إلى ارتفاع نسب البطالة بينهم، وصعوبة الحصول على تمثيل مستقل في المؤسسات الحكومية، ما يجعلهم أكثر ضعفًا أمام الصراعات الإقليمية والمذهبية في شمال العراق.

التركمان: ثالث أكبر مكون إثني بين التهميش والانتهاكات الأمنية
يُقدّر عدد التركمان في العراق بنحو 2.5 إلى 3 ملايين نسمة، ما يجعلهم ثالث أكبر قومية في البلاد، ومع ذلك يعانون من تهميش سياسي، إقصاء اجتماعي، واستهداف أمني مستمر. منذ عام 2003، تعرض مئات الآلاف من التركمان للتهجير القسري والنزوح نتيجة النزاعات المختلفة، وزادت حدتها بعد اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لمناطقهم في 2014، حيث وقع العديد منهم ضحايا انتهاكات واسعة، اختفاء قسري، وتدمير ممتلكات.

بعد عام 2014، نزح الجزء الأكبر من تركمان مدينة تلعفر، نحو 200–300 ألف نسمة، إضافة إلى تركمان مناطق طوزخورماتو، كركوك، وداقوق، مما جعلهم من أكبر المكونات المتضررة في العراق. وبحسب تقديرات تشمل كل النزوح من هذه المناطق، فقد هُجّر نحو 12–13% من التركمان في العراق، مع بعض المختفين والمعرضين لانخفاض معدلات الإنجاب والتهجير المستمر، وفقًا لتقارير صحفية مثل اندبندنت عربية. هذه الأحداث تأتي على الرغم من دور التركمان التاريخي كـ جسر للتواصل الحضاري والثقافي بين مختلف المكونات العراقية، ما يعكس التحديات الكبيرة التي تواجههم في الحفاظ على وجودهم وحقوقهم السياسية والاجتماعية.

الأكراد الفيليون: الحقوق المعلقة والتهجير الجماعي
الأكراد الفيليون، الذين سبق أن تعرضوا للتهجير وسحب الجنسية في عهد النظام السابق، تحسن وضعهم نسبيًا بعد 2003، لكن مشكلاتهم لم تنتهِ بعد. بحسب النائب السابق آزاد حمه شفي، “نحو نصف مليون كوردي فيلي تم إسقاط الجنسية عنهم من قبل النظام السابق”، مشيراً إلى أن مصادرة الأملاك والأراضي والعقارات والأموال المنقولة وغير المنقولة شملت نحو 50–60 ألف عائلة كوردية فيلية، بينما لا تزال آلية استرجاع الأملاك تفتقر إلى التطبيق العملي.

أكثر من نصف مليون كوردي فيلي مهجّر منذ عقود، ولم يعد إلى العراق سوى نحو 10% فقط منهم. وعلق وزير الهجرة الأسبق عبد الصمد رحمن على الوضع قائلاً إن “الكورد الفيليين عانوا من النظام السابق، والإبادة الجماعية، وإقرارها من قبل المحكمة الاتحادية العليا، مسألة طبيعية جداً، والاعتراف بالإبادة لا يحتاج إلى دليل في ظل وجود الشهود”. استعادة الممتلكات والتعويضات والإجراءات البيروقراطية المعقدة تجعل الكورد الفيليين يعيشون في حالة حقوق معلقة بين الاعتراف القانوني والواقع اليومي الصعب، ما يعكس حجم المعاناة المستمرة لهذه الأقلية.

الصابئة المندائيون: الأقلية المهددة بالانقراض
الصابئة المندائيون في العراق، وهم أقلية دينية عريقة، واجهوا معاناة شديدة بعد عام 2003، شملت القتل، الاختطاف، التهجير القسري، والتهديدات المستمرة. هذه الأحداث أدت إلى انخفاض أعدادهم بشكل كارثي من حوالي 70 ألف نسمة إلى أقل من 10 آلاف نسمة، أي أن نحو 86% منهم نزحوا أو هُجّروا بحثًا عن الأمان في الداخل والخارج. معظمهم هاجر خارج البلاد، مما جعل وجودهم داخل العراق محدودًا جدًا، وتهدد هذه الجماعة بالانقراض إذا لم تتحرك الدولة والمجتمع الدولي لحمايتها والحفاظ على تراثها الديني والثقافي.

الخلاصة النارية
هذه الجماعات السبعة ليست مجرد أقليات عابرة، بل هي شهود على مأساة العراق بعد 2003، على الأرض وفي القلوب. نزوح جماعي، تهجير قسري، قتل، تهديدات، تجريد من الحقوق، وتهميش سياسي دائم – كلها علامات على فشل الدولة والمجتمع في حماية أبسط حقوق الإنسان. العراق اليوم يقف على مفترق طرق: إما أن يتحرك لإنقاذ هذه الأقليات وإعادة الحقوق المسلوبة، أو أن تتحول تراثاته الإنسانية والدينية إلى رماد، وتصبح قصص هذه الجماعات مجرد صفحات حزينة في كتب التاريخ. العدالة ليست خيارًا، بل ضرورة للبقاء، والاعتراف ليس رفاهية، بل مفتاح إنقاذ ما تبقى من روح العراق المتنوعة.

انتهى