هندسة الفوضى الحرب على الاقتصاد… وما بعد الضجيج
(الحلقة السادسة)
كتب رياض الفرطوسي
ليست هذه حرب جيوش بالمعنى التقليدي، بل مواجهة تمتد إلى شرايين الاقتصاد، إلى حيث تُقاس قوة الدول بقدرتها على الصمود لا على الضجيج. هنا، لا تُحسم المعركة بصاروخ واحد، بل بتأثير متراكم، يضغط على الأسواق، ويهز الثقة، ويعيد رسم موازين القوة بهدوء قاسٍ.
الخليج في هذا السياق ليس ساحة هامشية، بل مركز الثقل. قلب الاقتصاد العالمي، ومنطقة تتقاطع فيها الطاقة مع السياسة، والتجارة مع الأمن. لذلك، يصبح أي تهديد هناك ليس مجرد حدث عابر، بل رسالة تصل إلى العالم كله: الاستقرار ليس مضموناً، والثمن قد يرتفع في أي لحظة.
ضرب خطوط الإمداد، تهديد الملاحة، إثارة القلق في أسواق النفط، كلها أدوات تُستخدم لإيصال فكرة واحدة، إذا لم تُحسم المعركة بالشكل المطلوب، فهناك طرق أخرى لفرض الكلفة على الجميع. إنها حرب أعصاب بامتياز، حيث لا يُقاس النجاح بعدد العمليات، بل بمدى القلق الذي تُحدثه في النظام العالمي.
لكن هذه الاستراتيجية، رغم قوتها، تحمل في داخلها حدودها الخاصة. فالاقتصاد العالمي، مهما تأثر، لا يُعاد تشكيله بين ليلة وضحاها. هناك شبكة مصالح معقدة، تربط الدول ببعضها، وتمنع الانفصال الكامل، حتى في أشد لحظات التوتر.
وما يُزرع اليوم من قلق أو غضب، خصوصاً في الخليج، لن يُمحى بسهولة. الذاكرة الاقتصادية والسياسية لا تعمل كالأحداث العابرة، بل كطبقات تتراكم. كل أزمة تُضاف إلى سابقتها، وتترك أثراً طويل الأمد في طريقة التفكير، وفي بناء السياسات، وفي رسم التحالفات.
ومع ذلك، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، حين تهدأ المدافع، تعود الجغرافيا لتفرض منطقها. الجغرافيا لا تتغير، والمصالح تبقى. قد تتأخر، قد تتشوش، لكنها في النهاية تعيد ترتيب العلاقات، حتى بين أطراف كانت على طرفي النقيض.
هذه هي مفارقة السياسة في لحظات ما بعد الصراع، العداوات ليست أبدية، ولا الصداقات مضمونة، بل كل شيء يخضع لحسابات تتغير بتغير الظروف. ما يبدو مستحيلًا اليوم، قد يصبح ضرورة غداً.
لكن ما يميز هذه المرحلة تحديداً، هو أن لا شيء يُحسم بعد. الحرب مستمرة، لا بصيغة واحدة، بل بعدة طبقات، عسكرية، سياسية، واقتصادية. التفاوض مؤجل، ليس لأنه غير ممكن، بل لأن شروطه لم تنضج بعد. والنتائج، إن جاءت، لن تكون سريعة ولا مباشرة.
الذي سيُكتب في النهاية، لن يكون نتيجة بيان سياسي، ولا انتصار إعلامي، بل نتيجة توازن تشكّل ببطء، تحت ضغط النار، وتحت ثقل الزمن. ميزان قوى يتكون تدريجياً، بين ميدان لا يهدأ، وسياسة تحاول أن تلحق به، دون أن تفقد توازنها.
وفي هذا الفراغ بين اللحظة والنتيجة، بين الفعل ورد الفعل، تولد الحقيقة الأعمق، أن الحروب الكبرى لا تنتهي حين تتوقف، بل حين يُعاد تعريف العالم بعدها.
وهنا فقط، يتضح أن ما جرى لم يكن مجرد صراع، بل عملية طويلة لإعادة رسم الخرائط، ليس فقط على الأرض، بل في العقول، وفي الحسابات، وفي مستقبل المنطقة بأكملها.
لكن حتى ذلك الحين، يبقى السؤال مفتوحاً، من يملك القدرة على تحويل هذا الضجيج إلى نظام؟ ومن يستطيع أن يخرج من قلب الفوضى، لا كناجٍ فقط، بل كمن أعاد كتابة قواعد اللعبة؟
الإجابة، كما يبدو، لم تُكتب بعد.