بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي
في الوقت الذي ترسم فيه السواعد السمرة خارطة الأمان في البلاد، وتنتصب القامات في السواتر والمدن والمؤسسات لتذود عن كرامة الدولة وهيبتها تبرز إلى الواجهة قرارات تثير الكثير من علامات الاستغراب والأسى في آن واحد.
إن قرار قطع الحصة التموينية عن أفراد القوات الأمنية، من ضباط ومراتب وموظفين لا يمكن قراءته كإجراء إداري عابر بل هو مساس مباشر بالاستقرار المعيشي لمن نذروا أرواحهم لحماية الاستقرار العام فالمقاتل الذي يقضي جُلّ وقته بعيداً عن عائلته وأهله يواجه الموت والمخاطر كان يجد في تلك (السلة الغذائية) البسيطة نوعاً من الإسناد المعنوي والمادي الذي يعينه على مجابهة مصاعب الحياة، ليفاجأ اليوم بأنه بات خارج حسابات الدعم الغذائي الوطني هو وعائلته.
إن الحجة التي تستند إليها الجهات المعنية في تبرير هذا القطع، بزعم أن رواتب الأجهزة الأمنية (عالية) ، هي حجة واهية وتفتقر للقراءة الواقعية للسوق العراقي وتحدياته. فواضعو هذه السياسات يتناسون، أو يتغافلون عمدًا، عن موجات غلاء الأسعار الفاحش التي التهمت القوة الشرائية للرواتب كما يتجاهلون كابوس الإيجارات المرتفعة التي تستنزف أكثر من نصف دخل المنتسب الشهري، لا سيما وهو يضطر للسكن في مراكز المدن أو قرب وحداته العسكرية إن (الرقم) الظاهر في الراتب لا يعكس أبداً حقيقة الالتزامات المالية الثقيلة التي يواجهها رجل الأمن، ما يجعل سحب الحصة التموينية منه بمثابة عقوبة غير مباشرة على انضباطه وخدمته وتجريداً له من أمنه الغذائي تحت ذرائع حسابية لا تنظر لعمق المعاناة اليومية.
فهل يعقل أن يكون جزاء من يسهر ليرقد الآخرون بسلام، هو حرمانه من استحقاق بسيط يشاركه فيه أبناء شعبه؟ إن هذا التوجه يضعه تحت مطرقة التضخم وسندان الاحتياجات المعيشية المتزايدة، مما يولد شعوراً بالغبن وتدنياً في الروح المعنوية وهي ركيزة أساسية في أداء المؤسسة العسكرية والأمنية
ولا تتوقف مفارقة الحرمان عند حدود رغيف الخبز بل تمتد لتطال حلماً طال انتظاره وهو (الاستقرار السكني) فبينما نجد وزارات ومؤسسات مدنية أخرى تمنح موظفيها قطع أراضي سكنية في مواقع متميزة كجزء من حقوقهم الوظيفية يجد المنتسب في الأجهزة الأمنية نفسه غريباً في هذا الاستحقاق، وكأن دماءه التي نزفت في الدفاع عن الأرض لا تمنحه الحق في امتلاك بضعة أمتار منها تخلصه من عناء الإيجارات التي يزعمون أن راتبه يغطيها.
إن الربط بين قطع الحصة التموينية بحجة الرواتب وحرمانهم من قطع الأراضي أسوة بباقي الوزارات، يرسم صورة قاتمة لمستقبل المنتسب الذي ضحى بشبابه وصحته ليجد نفسه أمام جحود مؤسساتي يجرده من أبسط مقومات العيش الكريم إن الوفاء لمن يضحون من أجل الوطن لا يكون بالشعارات والخطابات الرنانة، بل بترجمة ذلك التقدير إلى حقوق ملموسة تضمن لهم ولعوائلهم حياة مستقرة. فالعسكري الذي يحمل روحه على كفه لا ينبغي أن يشغل باله بكيفية تدبير قوت يومه أو بمكان يستر فيه عائلته، بل يجب أن يكون مكفولاً ومكرماً، لأن كرامة الوطن من كرامة حماته، وإن أي انتقاص من حقوقهم هو انتقاص من قدر التضحية التي لا تقدر بثمن.