درء المجاعة عن العراق سنين الحصار
٢٠٠٣ – ١٩٩٠
دخول القوات العراقية إلى الكويت في 2 آب/أغسطس 1990، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات اقتصادية شاملة وقاسية جداً على العراق. فجأة، وجد بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد احتياجاته الغذائية والدوائية نفسه معزولاً تماماً عن العالم الخارجي. توقفت عجلة الاستيراد والتصدير، وانهارت قيمة العملة المحلية، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، مما وضع الشعب العراقي بأسره أمام ظروف قاهرة ومأساوية تنذر بمجاعة محققة.
في تلك اللحظة الحرجة، برز دور وزير التجارة الدكتور محمد مهدي صالح، الذي أدرك حجم الكارثة مبكراً، وتحرك لإيجاد حل جذري يضمن بقاء العراقيين على قيد الحياة.
إن المخزون الاستراتيجي للغذاء في العراق عند بداية الحصار كان يكفي لأربعة أشهر فقط.
في يوم 9 آب/أغسطس 1990 (أي بعد أسبوع واحد فقط من فرض العقوبات)، قدم الدكتور محمد مهدي صالح مقترحاً عاجلاً إلى رئيس النظام السابق،
إيقاف البيع الحر للمواد الغذائية الأساسية فوراً، والبدء بتوزيع “حزمة مواد غذائية موزونة ومعدودة” على جميع المواطنين بالتساوي.
تمت الموافقة على المقترح في اليوم التالي (10 آب/أغسطس)، لتبدأ الدولة بإصدار دفتر أو “بطاقة تموينية” لكل عائلة عراقية. بموجب هذه البطاقة، يحصل كل فرد على حصة شهرية محددة بدقة من الدقيق، السكر، الرز، الشاي، الزيت، وحليب الأطفال، وبأسعار شبه مجانية مدعومة بالكامل من الدولة.
كشف الدكتور محمد مهدي صالح عن تفاصيل وخفايا “إدارة الندرة” وكيف تم تمديد عمر الخزين الغذائي وتحدي الحصار
لسد العجز الكبير في مادة الطحين (الدقيق) وتمديد فترة كفاية المخزون لأطول مدة ممكنة، اتخذ الوزير قراراً فنياً بخلط الشعير مع القمح بنسب مدروسة لصناعة رغيف الخبز العراقي. ورغم أن هذا أثر على لون وطعم الخبز (الذي عُرف بخبز الحصار الأسمر)، إلا أنه منع حدوث مجاعة فعلية.
لحماية القمح من التلف ومن القصف الجوي الذي استهدف البنى التحتية، أشرف الوزير على خطة لحفر مخازن ضخمة تحت الأرض، بحيث تتسع كل حفرة لتخزين حوالي 5 آلاف طن من القمح، مع تأمينها ضد الرطوبة والآفات.
لم تفرق البطاقة التموينية بين غني وفقير، بل شملت حتى الأجانب المقيمين في العراق. كانت الوزارة تستنفر أسطولاً من الشاحنات لضمان وصول الحصص إلى أبعد قرية في شمال وجنوب العراق بانتظام صارم.
عندما وافقت الأمم المتحدة على قرار (النفط مقابل الغذاء) في منتصف التسعينيات للتخفيف من وطأة الكارثة الإنسانية، تفاجأت المنظمة الدولية بوجود أكبر وأكفأ شبكة توزيع غذائي في العالم مبنية وجاهزة سلفاً.
اعتمدت الأمم المتحدة بالكامل على نظام البطاقة التموينية الذي أسسه محمد مهدي صالح لتوزيع المواد التي استوردها العراق مقابل نفطه، وأشادت تقارير الأمم المتحدة آنذاك بدقة النظام وخلوه من الهدر والتلاعب.
كانت الحصة تتكون المواد الغذائية تشمل ما بين 12 إلى 14 مادة أساسية بانتظام وجودة أعلى:
1. طحين القمح: 9 كغم لكل فرد.
2. الرز: 3 كغم لكل فرد.
3. السكر: 2 كغم لكل فرد.
4. زيت الطعام: 1.25 كغم لكل فرد.
5. الشاي: 200 غرام لكل فرد.
6. حليب الأطفال: مخصص للأطفال تحت عمر سنتين.
7. الحليب المجفف للكبار: 250 غراماً لكل فرد.
8. البقوليات (عدس، فاصوليا بيضاء، حمص): 1 كغم لكل فرد.
9. معجون الطماطم: 400 إلى 500 غرام لكل فرد.
10. صابون التواليت: 2 إلى 3 قطع لكل فرد.
11. مسحوق الغسيل: 500 غرام إلى 1 كغم.
12. الملح اليودي: كيس واحد لكل عائلة.
13. إضافات دورية/موسمية: كان يُضاف لها أحياناً مواد أخرى مثل (الجبن، النشاء، الخميرة، والشمع)
إرث “مهندس البطاقة التموينية” وشهادة الخصوم
يُطلق على الدكتور محمد مهدي صالح اليوم لقب “مهندس البطاقة التموينية”. ورغم كونه وزيراً في النظام السابق، واعتقاله لسنوات بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 (حيث لم تثبت عليه أي تهم فساد أو اختلاس وأُفرج عنه لاحقاً، ورُفعت عنه العقوبات الأمريكية في 2020)، إلا أن كفاءته ونزاهته الإدارية بقيت مضرباً للأمثال حتى بين معارضي النظام السابق
وما زالت البطاقة التموينية، وإلى يومنا هذا، تعيل ملايين العوائل؛ لتُشكّل بذلك نظاماً فريداً من نوعه على مستوى العالم
يقيم الدكتور محمد مهدي صالح حالياً في العاصمة الأردنية عمّان ويبلغ من العمر 80 عاماً.
#أسعد_صباح