معروف بن عبد الغني بن محمود الجباري الحسيني.
وُلد في مدينة بغداد في 1 يناير 1875م وتحديداً في محلة “القراغول” الواقعة في جانب الرصافة من العاصمة العراقية
ينحدر من أب كردي الأصل (يُنسب إلى السادة الجباريين الذين استوطنوا كركوك)، وكان والده يعمل “باش جاويش” في الدولة العثمانية. أما والدته فاسمها “فطومة بنت جاسم”، وهي عربية تنتمي إلى عشيرة القراغول.
نشأ الرصافي في بيئة بغدادية بسيطة، وبدأ مسيرته التعليمية في “الكتاتيب” لحفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة. التحق بعدها بالمدرسة العسكرية الابتدائية (الرشدية)، لكنه لم ينسجم مع الانضباط العسكري فتركها قبل الحصول على شهادتها.
اتجه إثر ذلك إلى المدارس الدينية وتتلمذ على يد كبار علماء بغداد. كانت نقطة التحول الكبرى في حياته هي ملازمته للشيخ العلامة محمود شكري الآلوسي لمدة اثنتي عشرة سنة. الآلوسي هو من أطلق عليه لقب “الرصافي” ليجعله علماً لامعاً في الرصافة، مقابلاً لاسم المتصوف الشهير “معروف الكرخي” المدفون في الكرخ.
عمل معلماً للأدب العربي في المدرسة الإعدادية ببغداد.
انتقل بعد إعلان الدستور العثماني إلى إسطنبول (الآستانة)، حيث درّس الأدب العربي في “مدرسة الواعظين” وعمل في الصحافة، وتولى تحرير صحيفة “سبيل الرشاد”.
كان شخصية سياسية بارزة؛ انتُخب عضواً في مجلس المبعوثان (البرلمان العثماني)، ولاحقاً نائباً في البرلمان العراقي.
عُرف بمواقفه الصلبة ضد الاستعمار البريطاني وضد السلطة الملكية في العراق (تحديداً نوري السعيد والوصي عبد الإله)، ما جعله دائماً في قلب العواصف السياسية.
يُعد كتاب “الشخصية المحمدية من أكثر الكتب جرأة في تاريخ الأدب والفكر العربي الحديث. بدأ الرصافي بكتابته عام 1929م وأكمله خلال فترة عزلته في مدينة الفلوجة (بين 1933 و1941م). الكتاب لم يُنشر في حياته تجنباً لتبعاته، وظل مخطوطاً حتى طُبع للمرة الأولى في ألمانيا عام 2002.
نظر الرصافي إلى النبي محمد (ص) كعبقري وقائد سياسي وعسكري فذ نجح في تأسيس دولة كبرى، رافضاً التفسير الغيبي المطلق (الوحي).
اعتبر أن القرآن الكريم ليس نصاً سماوياً بالمعنى التقليدي، بل هو انعكاس لظروف سياسية واجتماعية وتجارب شخصية مر بها النبي محمد (ص)
نزع القدسية عن الصحابة، معتبراً أن الكثير من صراعاتهم كانت حروباً دنيوية بحتة على السلطة والنفوذ والغنائم (كالفتنة الكبرى)، وليست دفاعاً خالصاً عن الدين.
انتقد بشدة التشريعات الفقهية التي رآها تتنافى مع العدالة، مثل “حد الردة”، كما انتقد الآيات التي تدعو للقتال الهجومي، معتبراً إياها تتناقض مع مبدأ حرية العقيدة.
تعرض الرصافي لحملة شرسة من التكفير والتخوين بسبب أفكاره في كتاب “الشخصية المحمدية”، وكتابه الآخر “الرسالة العراقية”، فضلاً عن قصائده اللاذعة. لم تكن حملة التكفير دينية بحتة، بل كانت تحالفاً بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية.
تصدر فقيه بغداد وإمام جامع الخلفاء، الشيخ جلال الحنفي، واجهة التكفير. أظهر الحنفي نشاطاً محموماً لتكفير الرصافي وتشويه سمعته، وألف ضده كتاباً لاحقاً بعنوان “الرصافي في أوجه وحضيضه” (1962). وتشير المصادر التاريخية إلى أن الحنفي سافر شخصياً إلى مدينة النجف لمحاولة استصدار فتوى تكفير من المرجعية الشيعية أيضاً، لضمان إجماع الطائفتين على تكفير الرجل ونبذه.
تؤكد المصادر والمؤرخون أن المحرك الأساسي لحملة التكفير كان البلاط الملكي العراقي (بقيادة الوصي على العرش، الأمير عبد الإله). كان ذلك انتقاماً من الرصافي بسبب قصائده التي هجا فيها الأسرة المالكة والساسة الموالين للإنجليز، وخاصة بعد مساندة الرصافي الصريحة لـ “حركة مايس 1941″ (ثورة رشيد عالي الكيلاني) ضد الوجود البريطاني في العراق.
كان الرصافي يدرك تماماً العاصفة التي سيحدثها فكره، فكتب في مقدمة كتابه واثقاً ومتحدياً:
وإني لأعلم أنهم سيغضبون ويصخبون ويسبّون ويشتمون… ولكني سأحتمل الأذى في سبيل الحقيقة… فإن سَبّ الميت يؤذي الحي ولا يضر الميت”.
عاش الشاعر معروف الرصافي في سنواته الأخيرة حياة مليئة بالتحولات التي انتهت به إلى العزلة والفقر،
عاش الرصافي فترة من أهم فترات حياته خلوةً وإنتاجاً في مدينة الفلوجة بين عامي 1933 و1941
اختار هذه العزلة هرباً من انشغالات العاصمة بغداد وغلاء معيشتها
أقام في الفلوجة بدعوة من أسرة “آل العريم” الذين أكرموه، فعاش بينهم معززاً مكرماً
استغل هذه العزلة لينتج كتابه المخطوط “الشخصية المحمدية” ويكتب عيون قصائده
عندما اندلعت ثورة رشيد عالي الكيلاني في أوائل الحرب العالمية الثانية ضد الإنجليز، ساندها الرصافي بقوة فكان من خطبائها ونظم لها الأناشيد
نظم قصيدة “يوم الفلوجة” عام 1941 تنديداً بالاحتلال البريطاني واعتداء قواته على الأهالي.
بعد فشل الثورة ودخول الجيش الإنجليزي إلى الفلوجة في أيار/مايو 1941، ترك الرصافي المدينة عائداً إلى بغداد
عاد إلى العاصمة التي كانت قد وقعت مجدداً تحت سيطرة الوصي عبد الإله ونوري السعيد
بعد فشل الثورة، وبسبب مواقفه المناهضة للسلطة، عاش الرصافي في شبه انزواء وعزلة تامة عن الناس
بعد تنقله في بغداد، استقر به المقام في دار استأجرها في محلة “السفينة” بمنطقة الأعظمية
داهمه المرض في أواخر أيامه، وعانى بشدة من الفقر والبؤس والآلام
عاش فقيراً لا تسعفه ذات اليد، ولكنه صارع هوى نفسه ورغباتها بكرامة وكبرياء، وكان يقنع بالقوت الزهيد حتى لا يضطر للتنازل، وقد عبر عن ذلك شعراً بقوله: “وأقنع بالقوت الزهيد لطيبه *** حذار وقوعي في خبيث المطاعمِ”
بلغ به الضيق المادي قبل وفاته أن كتب وصية يُطالب فيها بأن تُباع كتبه المخطوطة لمن يرغب بشرائها، وأن يُدفع المال الحاصل من البيع إلى بنات خادمه “عبد”
توفي الرصافي فقيراً في داره بمحلة السفينة في الأعظمية ليلة الجمعة 16 آذار/مارس 1945م.
ورغم عزلته وفقره المدقع، حظي بتشييع يليق بمقامه، حيث شُيع في موكب مهيب سار فيه جمع غفير من الأدباء والأعيان ورجال الصحافة.
صلى على جنازته الشيخ حمدي الأعظمي، ودُفن في مقبرة الخيزران بالأعظمية
إلا أن نقطة الخلاف الجوهرية معه تكمن في المساس بقدسية النبي محمد والقرآن الكريم؛ فهذا التوجه الفكري يُعد خطأً لا يُغتفر، مهما بلغت موهبته الشعرية أو مواقفه في مقارعة الاستعمار.”
#أسعد_صباح