هل ينجح ساسةُ العراق ببناءِ دَولةٍ مُستقلَّةٍ؟!

نزار حيدر

نـــــــــــــــــــــــــــــزار حيدر لـ [الشَّرق الأَوسط] اللندنيَّة؛

              هل ينجح ساسةُ العراق ببناءِ دَولةٍ مُستقلَّةٍ؟!

   ١/ العراق يقفُ على مُفترقِ طرُقٍ لاتِّخاذِ مساراتِ دَولةٍ مُستقلَّةٍ خاصَّةً في الملفَّاتِ الحسَّاسةِ كالعلاقةِ مع جارتَيهِ الشرقيَّةِ والغربيَّةِ ومع مُحيطهِ العربي.

   ٢/ العراق ظلَّ في العقدَينِ الماضِيَينِ يدورُ في فلكِ الجارةِ الشَّرقيَّةِ يستنسِخُ مواقفَها ولا يبتعِد عن خياراتِها بسببِ النُّفوذ الأَوسع الذي تتمتَّع بهِ في العمليَّةِ السياسيَّةِ ولأَسبابٍ عدَّةٍ مُستفيدةً من الصِّلاتِ المذهبيَّةِ بينها وبينَ الأَغلبيَّةِ من المُكوِّناتِ.

   ٣/ لذلكَ لم يفكِّر السَّاسة في بغداد في السَّعي لبناءِ دولةٍ مُستقلَّةٍ تأخذ بنظرِ الإِعتبار مصالحَها فوقَ أَيَّةِ مصالحَ أُخرى إِقليميَّةٍ أَو دوليَّةٍ، ولهذا السَّبب ظلَّ المُجتمع الدَّولي والدُّول الإِقليميَّةِ ودُول الجِوار ينظرُونَ إِلى العراق كجُزءٍ لا يتجزَّأ من الملفِّ الإِيراني فإِذا كانت العِلاقات بينهُم وبينَ طهران هادِئة فإِنَّ بغداد تهدأ والعكسُ هو الصَّحيح.

   بغداد كانت ورقةً تفاوضيَّةً وساحةً مفتُوحةً لتصفيةِ الحساباتِ!.

   ٤/ في ظلِّ التطوُّرات الدراماتيكيَّة المُتلاحِقة وفي ظلِّ السِّياسات الجديدة التي ينتهجَها الرَّئيس ترامب يرى العراق نفسهُ في مهبِّ الرِّيحِ يقفُ عندَ مُفترقِ طُرقٍ، فإِمَّا أَن يتَّخذَ قراراً ثوريّاً يقضي بالإِسراعِ في بناءِ قرارِ دَولةٍ مُستقلٍّ بعيداً عن الإِملاءاتِ الخارجيَّة وبالتَّالي سيكونُ جُزءاً من التَّرتيباتِ السياسيَّةِ والأَمنيَّةِ والإِقتصاديَّةِ الجديدةِ في المنطقةِ أَو أَن يظلَّ فاقِداً لقرارِهِ وبالتَّالي سينتظِر ما ستؤُولُ إِليهِ عِلاقات طهران الجديدة معَ المُحيط والمُجتمعِ الدَّولي فإِذا كانت إِلى خيرٍ فقد يُصيبهُ بعضاً من هذا الخيرِ، وإِذا كانت لغيرِ ذلكَ فسيكونُ العراق أَوَّل الضَّحايا لأَنَّهُ الآن العنوان الوَحيد المُتبقِّي بصفتهِ غَير المُستقلَّة من بينِ [السَّاحات] الأُخرى التي رهنَت مصيرَها بطهران [التي رهنَت مصيرَها بروسيا] لعقُودٍ خلَت.

   ٥/ يبدو لي أَنَّ بغداد اتَّخذت قرارها ببناءِ الدَّولةِ المُستقلَّةِ وإِن كانت بحاجةٍ لمُساعدةِ [أَصدقائِها] في المُجتمع الدَّولي والمُحيط الإِقليمي على غرارِ ما فعلهُ ويفعلهُ لبنان!.

   وبهذا الصَّدد يستمر السُّوداني وبعض الزَّعامات التي تلعَب دَور العرَّاب لحكومتهِ مثل زعيم تيَّار الحكمة، بتواصُلهِ المُباشر مع الدُّول الإِقليميَّة ذات الوَزن الثَّقيل والتَّأثير الكبير في المنطقةِ والمُجتمعِ الدَّولي، خاصَّةً التي تربطَها بـ [تل أَبيب] عِلاقات متميِّزة سعياً منهُ لمُساعدتهِ على نفسهِ وفي مُهمَّتهِ.

   ٦/ في ذاتِ الوقت قرَّرت بغداد الإِعتراف بكُلِّ تفاصيلِ المشهدِ الجديدِ الذي شهدتهُ سوريا خلال الأَشهُر الأَخيرة منذُ إِزاحة الأَسد عن السُّلطة وقيام إِدارة إِنتقاليَّة جدِيدة.

   كانَ هذا واضِحاً من مُبادرةِ السُّوداني الذي اتَّصل برئيس السُّلطة المُؤَقَّتة ليهنِّئهُ بعيدِ الفطرِ ويُخبِرهُ باحترامِ بلادهِ لخَياراتِ الشَّعبِ السُّوري بتشكيلِ الحكومةِ الإِنتقاليَّةِ الجديدةِ.

   ٧/ قرار الزَّعامات السياسيَّة ببناءِ [العراق دَولة مُستقلَّة لها كامِل السِّيادة الوطنيَّة على قراراتِها] ليسَ بالأَمرِ السَّهلِ والهيِّن فهي مُهمَّةٌ صعبةٌ جدّاً على [٣] أَبعاد؛

   أ/ طهران التي ستظَل تُقاتل بآخِر فصيلٍ للحيلولةِ دونَ خسارةِ نفوذِها هُناك، خاصَّةً بعد أَن خسِرت وتخلَّت عن كُلِّ نفوذِها في السَّاحات الأُخرى، فالعراق ليسَ كأَيِّ ساحةٍ أُخرى، فهي مصيريَّةٌ بالنِّسبةِ لها.

   ب/ الوُكلاء الذين يرونَ أَنفسهُم من خلالِها حصراً، فهؤُلاء كذلكَ يعرقِلونَ أَيَّ مسعىً من هذا القَبيل دفاعاً عن أَنفسهِم ولحمايةِ مصالحهِم ونفُوذهِم.

   ج/ الزَّعامات السياسيَّة نفسَها التي تعوَّدت على الإِتِّكاءِ على طهران ورضعَت ثُمَّ تشبَّعت بحالةِ الذيليَّةِ، فبمرورِ عقدَينِ من الزَّمن على هذهِ الطَّبيعة فليسَ من السُّهولةِ بمكانٍ فِطامَها بينَ ليلةٍ وضُحاها.

   من الصَّعبِ جدّاً أَن تكونَ الحالةِ القديمةِ التي تكرَّست بمرُورِ الوقتِ جُزءاً من حالةٍ جديدةٍ هي على النَّقيضِ مِنها!.

   ٢٠٢٥/٤/٩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *