الفتنة من جديد… التطبيع والطائفية في عباءة تصريحات مريبة

الكاتب : أ م د مهدي علي دويغر الكعبي
—————————————
الفتنة من جديد… التطبيع والطائفية في عباءة تصريحات مريبة .

بين سيف سيد المقاومة وبوق ساحات الذل والخيانة .

بقلم الكاتب والمحلل الاكاديمي
أ م د مهدي علي دويغر الكعبي
تدريسي في الجامعة العراقية

في توقيت حساس يمر به العراق والمنطقة، عادت أبواق الفتنة لتصنع ضجيجاً مأجوراً يعيد للأذهان مفردات مرحلة لم تترك للعراقيين غير الرماد من على منابر التواصل الاجتماعي ظهر الشيخ علي حاتم السليمان السياسي المثير للجدل وزعيم ما يعرف بـ”مجلس عشائر الأنبار الثائر” في تسجيلات ومقاطع تداولتها عدة صفحات ان صحت يهاجم فيها المرجعيات الدينية الشيعية ويطلق عبارات تحمل في طياتها مغازلة صريحة للتطبيع مع الكيان الصهيوني مرفقاً ذلك بتلميحات ضد سيد المقاومة العراقية السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله).

في أحد المقاطع المتداولة نُقل عن السليمان قوله..
“إسرائيل أمر واقع… السنة لا يحتاجون إلى مرجع ديني، ولا يجمعهم شيء مع المعممين”.
(مقطع منشور على صفحات فايسبوك وتيك توك، 28 أيار/مايو 2025)

هذا التصريح – إن صحت نسبته – لا يعبّر عن رؤية سياسية بل يكشف انحداراً خطابياً يفتقر للحد الأدنى من الوعي الوطني ومن الواضح أن الرجل يحاول العزف على وتر مكسور عبر بث رسائل تحمل أبعاداً طائفية ناعمة في ظاهرها لكنها تفكيكية في مضمونها تستهدف تمزيق الهوية العراقية الجامعة.

استهداف سيد المقاومة العراقية السيد مقتدى الصدر… محاولة انتحار سياسي .

المثير في هذه التصريحات أنها لم تكتفِ بمغازلة الاحتلال الصهيوني بل حاولت التهجم على شخصية السيد مقتدى الصدر الذي يمثل في الوعي الجمعي العراقي والعربي أحد أعمدة المقاومة الوطنية وسيدها والإسلامية ورمزاً للاتزان بين الهوية المذهبية والمشروع الوطني وخصماً عنيداً للطائفية والفساد فهل تجاهل السليمان أن الصدر هو من قال .

“كلا للفاسدين، كلا للطائفيين كلا للمحتلين، كلا للتطبيع”
(تغريدة – الحساب الرسمي للسيد مقتدى الصدر على X، كانون الثاني/يناير 2022)؟

يبدو أن علي حاتم السليمان أراد أن يعيد تسويق نفسه من خلال استفزاز الجمهور الشيعي والسني على حد سواء عبر خطاب يبدو أنه ممول أو مبرمج لأغراض تتجاوز الداخل العراقي. فما معنى أن يظهر أحد أبرز رموز ساحات الاعتصام السنية القديمة (2012–2013) . في لحظة عراقية جديدة ليتحدث عن “واقعية إسرائيلية” و”اللاجدوى من المرجعية الدينية”؟ أليس هذا دليلاً على سقوط مشروعه وخلوه من البدائل؟

مشروع قديم يُعاد تدويره .. الطائفية المُعاد تسويقها

التاريخ السياسي لعلي حاتم السليمان حافل بالتقلبات:
•دعم الاعتصامات السنية ثم فراره بعد سقوط الموصل.
•تقربه من الأميركيين ثم انقلابه على مشروع المصالحة.
•محاولاته الفاشلة لتقديم نفسه كزعيم عشائري “معتدل” بينما الواقع يشير إلى تفكك قواعده العشائرية والسياسية.

وفي هذا الإطار فإنّ عودته هذه المرة محملة بخطاب تطبيعي-تفكيكي مزدوج يكشف أن هناك من يحاول خلط الأوراق مجدداً عبر طرح شعارات ضد “المعممين” وضد “القدس”، تماماً كما كانت بعض التيارات تهاجم النجف لتبرير “أربيل السياسية”.

الأنبار والموصل ليستا كما كانت .

إن أكثر ما يُسقط مشروع علي حاتم اليوم هو تحول المزاج الشعبي في غرب العراق. فالأنبار التي كانت ترزح تحت نيران التطرف والخذلان عادت لتكون نبض العراق لا خارجه والموصل التي أرادها البعض مجرد ورقة ضغط أصبحت مركزاً للنهوض الوطني الجديد. والناضجون من أبناء هذه المحافظات اليوم يرفضون خنق الصوت السني بين مطرقة الطائفية وسندان التطبيع.

الشعب العراقي تغيّر لم يعد تابعاً للأصوات الحماسية الجوفاء بل بات أكثر فهماً لما يُحاك من مشاريع تذويب الهوية وتمييع القضية الفلسطينية.

أما هجومه على السيد مقتدى الصدر فقد اتخذ منحى شخصيًا وتهكميًا في محاولة لتشويه صورة أحد أبرز رموز المقاومة الوطنية العراقية ضد الاحتلال الأميركي، وأحد أكثر الزعامات الشيعية استقلالية عن النفوذ الإيراني. الصدر الذي قاد تيارًا شعبيًا عريضًا يرفض الطائفية ورفع شعارات صادمة للمنظومة السياسية الفاسدة كان ولا يزال شوكة في خاصرة مشاريع التقسيم والتطبيع.

إن هذا التهجم لا يمكن عزله عن سياق أكبر بدأ منذ عام 2012 عندما تحولت بعض ساحات الاعتصام – تحت غطاء المظلومية – إلى منصات لاستضافة خطاب طائفي وتحريضي وفُتحت فيها المنابر لبقايا “القاعدة” و”البعث” كما استُضيفت فيها شخصيات تكفيرية من أمثال محمد حسان وعدنان العرعور هذا الخطاب نفسه هو الذي مهّد لاحقًا لنشوء تنظيم داعش في المحافظات الغربية.

وما زاد من فداحة الموقف ما نُقل عن السليمان في لقاء آخر عن استعداده للترحيب بالإرهابي “أبو محمد الجولاني” في الأنبار قائلًا ..
“إذا الجولاني يريد يدخل الأنبار فهو ضيفنا” .
(المصدر: صفحة قناة آسيا على تيليغرام – مقابلة برنامج المحايد) .
وهو تصريح خطير يتحدى دماء الشهداء الذين سقطوا في حرب تحرير الأنبار ويُمثّل استفزازًا صارخًا لأهالي الضحايا الذين قاوموا الإرهاب ورفضوا أن تكون محافظاتهم ملاذًا للمجرمين.

من هنا فإنّ ما نراه اليوم ليس مجرد تصريح شاذ بل امتداد لمشروع أوسع .. إعادة إحياء خطاب الفتنة والاحتراب الأهلي عبر خطاب عشائري-طائفي مموّه بشعارات الوطنية المزيفة والتطبيع الواقعي.
ويجري كل هذا في وقت حرج تحاول فيه بعض القوى الإقليمية إعادة رسم ملامح الهوية السنية في العراق عبر وكلاء محليين فقدوا البوصلة وتحوّلوا إلى أبواق لمشاريع إقليمية مشبوهة

كلمة أخيرة ..

ما يُقال اليوم ليس مجرد “تصريحات مريبة” بل هو مشروع فتنة يُعاد إنتاجه بأدوات جديدة – مظهرها نقد ديني، وجوهرها تطبيع سياسي وفكري. فالحذر كل الحذر من تحويل المنصات إلى حلبات لتمرير رسائل العدو، سواء بتشويه رموز المقاومة أو بتسفيه المرجعيات.

فليُعرف جيداً … أن العراق ليس ساحة لمن يريد إعادة رسم الهويات بالسكاكين الطائفية ولا بوابة لمن يتمنى “واقعية إسرائيلية” على حساب الدم العراقي والعربي.

وإن من أراد مواجهة الصدر، فليواجهه ببرنامج سياسي لا بشتائم رخيصة وعنتريات بلا جمهور.
وإن من أراد بيع فلسطين فليعلم أن بغداد لم تكن يومًا وكيلًا للعهر السياسي ولا للتاريخ المزور.

المصادر والهوامش:
1.مقتدى الصدر – حسابه الرسمي على X (Twitter): Mu_AlSadr
2.مقاطع متداولة لعلي حاتم السليمان – تيك توك ويوتيوب، أيار 2025
3.ملف الاعتصامات السنية – تقرير قناة الجزيرة، 2013
4.دراسة: “الهوية السنية في العراق ما بعد داعش” – مركز الرافدين للحوار، 2021
5.مظاهرات بغداد ضد التطبيع – وكالة الأناضول، تشرين الأول 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *