جديد

مفهوم الفاحشة في القرآن الكريم (ح 2)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل جلاله “وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿الأعراف 28﴾ “وإذا فعلوا فاحشة” كنى به عن المشركين الذين كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم، فكان يطوف الرجال والنساء عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، ولا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، وهم الحمس. قال الفراء: كانوا يعملون شيئا من سيور مقطعة، يشدونهم على حقويهم، يسمى حوفا، وإن عمل من صوف يسمى رهطا، وكانت تضع المرأة على قبلها النسعة فتقول: اليوم يبدو بعضه، أو كله، وما بدا منه فلا أحله يعني الفرج، لأن ذلك يستر سترا تاما، وفي الآية حذف تقديره: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها “قالوا وجدنا عليها آباءنا” قيل: ومن أين أخذها آباؤكم، قالوا: “والله أمرنا بها” أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار، أنهم إذا فعلوا ما يعظم قبحه، اعتذروا لنفوسهم: إنا وجدنا آباءنا يفعلونها، وإن آباءهم فعلوا ذلك من قبل الله. وقال الحسن: إنهم كانوا أهل إجبار، فقالوا: لو كره الله ما نحن عليه، لنقلنا عنه، فلهذا قالوا: “والله أمرنا بها” فرد الله سبحانه عليهم قولهم، بأن قال: “إن الله لا يأمر بالفحشاء”، ثم أنكر عليهم من وجه آخر، فقال: “أتقولون على الله ما لا تعلمون” لأنهم إن قالوا: لا، لنقضوا مذهبهم، وإن قالوا: نعم، افتضحوا في قولهم. قال الزجاج: “أتقولون على الله” معناه: أتكذبون عليه. لما بين سبحانه أنه لا يأمر بالفحشاء، وهو اسم جامع للقبائح والسيئات، عقبه ببيان ما يأمر به من القسط، وهو اسم جامع لجميع الخيرات.

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى: ” والله يعلم وأنتم لا تعلمون ” تأكيد وإعظام لما فيه من سخط الله وغضبه وإن جهله الناس.. قوله عز وجل “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا” ﴿النساء 19﴾ الفاحشة الطريقة الشنيعة كثر استعمالها في الزنا. والمبينة المتبينة، وقد نقل عن سيبويه أن أبان واستبان وبين وتبين بمعنى واحد، تتعدى ولا تتعدى يقال: أبان الشيء واستبان وبين وتبين ويقال: أبنت الشيء واستبنته وبينته وتبينته. والآية تنهى عن التضييق عليهن بشيء من وجوه التضييق ليضطررن إلى بذل شيء من الصداق لفك عقدة النكاح والتخلص من ضيق العيشة فالتضييق بهذا القصد محرم على الزوج إلا أن يأتي الزوجة بفاحشة مبينة فله حينئذ أن يعضلها ويضيق عليها لتفارقه بالبذل، والآية لا تنافي الآية الأخرى في باب البذل:” وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ” (البقرة 229) وإنما هو التخصيص. تخصص هذه الآية آية البقرة بصورة إتيان الفاحشة، وأما البذل الذي في آية البقرة فإنما هو واقع على تراض منهما فلا تخصص بها هذه الآية.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل جلاله “يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا” ﴿الأحزاب 30﴾ المراد بالفاحشة هنا المعصية من أي نوع تكون، ومبينة واضحة. ولنساء النبي منزلة كريمة عند اللَّه والناس لصلتهن بالرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم، فمن أقدمت منهن على المعصية فقد خاطرت بمكانتها، واستحقت من العذاب مثلي ما تستحقه غيرها، لأن اللَّه سبحانه يحاسب الناس على قدر منازلهم، كما يحاسبهم على قدر عقولهم، وقد عاتب الأنبياء بما لا يعاتب به أحدا غيرهم.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله “وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿الأعراف 28﴾ يشير تعالى إلى واحدة من وساوس الشيطان المهمّة والتي تجري على ألسنة بعض الشياطين من الأنس أيضا، وهي أنّه عند ما يسأل الشخص لدى ارتكابه عملا قبيحا، عن دليله يجيب قائلا: هذا ما وجدنا آباءنا يفعلونه: “وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا”. ثمّ يضيفون إلى هذه الحجّة حجّة كاذبة أخرى قائلين: “وَاللهُ أَمَرَنا بِها”. إنّ مسألة التقليد الأعمى للآباء، بالإضافة إلى الافتراء على الله، عذران مختلفان، وحجّتان داحضتان يتشبث بهما العصاة المتشيطنون لتبرير أعمالهم القبيحة غالبا. والملفت للنظر أنّ القرآن الكريم لم يعبأ بالدليل الأوّل (يعني التقليد الأعمى للآباء والأسلاف) ولم يعتن به، وكأنّه وجد نفسه في غنى عن الرّدّ عليه وإبطاله، لأنّ العقل السليم يدرك بطلأنه، هذا مضافا إلى أنّه قد ردّ عليه في مواضع عديدة من القرآن الكريم. وإنّما اكتفى بالردّ على الحجّة الثّانية، أو بالأحرى (التبرير الثّاني) حيث قال: “قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ”. إنّ الأمر بالفحشاء حسب تصريح الآيات القرآنية عمل الشيطان لا عمل الله، فإنّه تعالى لا يأمر إلّا بالمعروف والخير. ثمّ يختم الآية بهذه العبارة: “أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ”. ورغم أنّ الأنسب أن يقول: لمإذا تنسبون ما هو كذب وليس له واقع إلى الله؟ لكنّه قال بدل ذلك: لمإذا تقولون ما لا تعلمون على الله؟ وهذا في الحقيقة استنادا الى الحدّ الأدنى من موضع قبول الطرف الآخر، فيقال: إذا كنتم لا تتيقنون كذب هذا الكلام، فعلى الأقل ليس لديكم دليل على إثباته، فلما ذا تتهمون الله وتقولون على الله ما لا تعلمون؟. ما هو المراد من الفحشاء هنا ؟ قالت طائفة كبيرة من المفسّرين: إنّها إشارة إلى تقليد كان سائدا بين جماعة من العرب في العهد الجاهلي، وهو الطواف حول بيت الله المعظم عريانا (رجالا ونساء) ظنا منهم بأنّ الثياب التي ارتكبت فيها الذنوب لا تليق بأن يطاف بها حول الكعبة المعظمة. على أنّ هذا التّفسير يتناسب مع الآيات السابقة التي دار الحديث فيها عن الثّياب والألبسة. ولكنّنا نقرأ في روايات متعددة أنّ المراد من الفحشاء هنا هو كلام حكّام الجور الذين يدعون الناس إلى أنفسهم، ويعتقدون بأنّ الله فرض طاعتهم على الناس. ولكن بعض المفسّرين ـ مثل كاتب (المنار) و (الميزان) ـ أخذوا للآية مفهوما واسعا إذ قالوا: إنّ الفحشاء تشمل كل عمل قبيح منكر، وبملاحظة سعة مفهوم لفظة الفاحشة، فإنّ الأنسب هو أنّ للآية معنى واسعا سعة معنى الكلمة، ومسألة (الطواف بالبيت عريانا) و (اتباع القادة والزعماء الظلمة) تعدّ من المصاديق الواضحة لذلك، فلا منافاة بين الطائفتين من الرّوايات. هذا وقد أعطينا توضيحا كافيا حول التسليم المطلق لتقاليد الأسلاف وأعرافهم عند تفسير الآية (170) من سورة البقرة.

جاء في كتاب علوم القرآن عن القصص القرآنية للسيد محمد باقر الحكيم: النصر الإلهي للأنبياء: بيان نصرة الله لأنبيائه وان نهاية المعركة تكون في صالحهم مهما لاقوا من العنت والجور والتكذيب كل ذلك تثبيتا لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه وتأثيرا في نفوس من يدعوهم إلى الإيمان. وتبعا لهذا الغرض وردت بعض قصص الأنبياء مؤكدة على هذا الجانب بل جاءت بعض هذه القصص مجتمعة ومختومة بمصارع من كذبوهم وقد يتكرر عرض القصة نتيجة لذلك كما جاء “ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين” (العنكبوت 28). إلى أن يقول: “إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون” (العنكبوت 34-35).