“بين القانون والكرامة: رسالة من ابن العشيرة الهركية إلى من يهمه الأمر”

يحيى هركي

إلى كل من يسأل عن حقيقة ما جرى ليلة البارحة في قرية كوردَه رَش، التابعة لقضاء خبات – محافظة أربيل، بين قوات أمنية تابعة للحكومة وأفراد من عشيرة الهَركي الكريمة، أقول:

بصفتي أحد أبناء هذه العشيرة، ومن منطلق المسؤولية الأخلاقية تجاه شعبي ومجتمعي، أرى أنه من واجبي أن أوضح ما جرى بصدق وأمانة دون زيادة أو تحريف، وأن أشرح للناس الصورة الكاملة دون الوقوع في فخ الفتنة أو التهييج.

الحقيقة أن جذور المشكلة تعود إلى نزاع قديم على قطعة أرض، يدّعي الطرف الآخر ملكيتها رغم أن السيد خورشيد هركي يمتلك مستندات رسمية صادرة من حكومة الإقليم تثبت حقه وحق عشيرته فيها، وهو ما دفعه إلى اللجوء إلى القضاء وتقديم شكوى قانونية. إلا أن ما حدث لاحقًا لم يكن على مستوى الروح القانونية، بل دخل في دائرة التصفية القسرية عبر إرسال قوة أمنية كبيرة إلى منزله لأسره عنوة، دون إنذار قضائي شفاف، الأمر الذي رآه هو ومن معه استفزازًا وانحيازًا لطرف ضد طرف، فرفض تسليم نفسه بهذه الطريقة غير المحايدة، وكانت تلك الشرارة الأولى للأزمة.

اندلعت مناوشات ومعركة عنيفة ليلة 08/07/2025 استمرت لأكثر من 12 ساعة بين القوة الأمنية الحكومية وجماعة خورشيد هركي، في مشهد مؤسف لم يكن يجب أن يحصل بين أبناء شعب واحد. فقد سقط شهيد وجُرح عدد من الأشخاص، ووقعت خسائر في الأرواح والمعدات، وكأن حربًا اندلعت بين دولتين لا بين إخوة في الوطن.

للأسف، ما زاد من مرارة الحدث أن خورشيد هركي ليس خصمًا سياسيًا للحزب الحاكم، بل كان معروفًا بولائه للحزب الديمقراطي الكردستاني، وزيّن منزله بصور قادة العائلة البارزانية الكريمة، من الرئيس مسعود بارزاني إلى رفاق دربه، ورفع علم الحزب في ديوانه. لكن هذا الانتماء لم يشفع له عند الجهات الأمنية، التي تعاملت معه بقسوة وصمتٍ رسمي غير مبرر.

ونُذكّر هنا أن هذه القوة، بدل أن تحتكم إلى القضاء المدني وتلجأ إلى الحوار، قامت بإرسال وحدات من قوات الزيرفاني وقوى الحماية الأمنية الخاصة، مما أدى إلى انفجار الموقف أكثر، ودفع المئات من أبناء العشيرة الهركية للقدوم إلى قرية خورشيد، ليس لمواجهة الدولة أو إعلان العصيان، بل لحماية رمز عشيرتهم من الأسر الجبري دون عدالة.

وهنا نؤكد بصوت واضح وعقل راجح:

أن السيد خورشيد هركي، رغم تحفظه على الطريقة التي تم التعامل بها معه، لا يرفض المثول أمام القضاء، بل يُطالب فقط بأن يكون ذلك ضمن بيئة قانونية محايدة تكفل العدالة وتمنع الانحياز.

وهذا ما تطلبه كل نفس حرّة في هذا الوطن، فلا أحد فوق القانون، ولكن كذلك لا أحد دون كرامة.

ونحن نُعلن بوضوح:

أن ما حدث لن يُحوَّل إلى صراع عشائري، ولن يُستغل لإشعال الفتنة بين أبناء الشعب الواحد. فما يجمعنا أكثر مما يفرّقنا، ولن نسمح لأحد باستغلال الجراح لتحقيق أجندات سياسية أو عشائرية ضيقة.

في هذه اللحظات، وبعد مرور أكثر من 24 ساعة على الحادثة، فإن الوضع ما زال متوترًا، لكن إطلاق النار توقف، والهدوء الحذر يسود المنطقة، مع بقاء القوات الحكومية تحاصر الموقع.

نحن نناشد القيادة السياسية العليا، وعلى رأسها المرجع الكوردي السيد مسعود البارزاني ، أن يتدخل شخصيًا في هذه القضية، وألا يُترك الأمر بيد من يتصرفون دون حكمة.

فما نريده ليس التصعيد، بل العدالة، والعدالة لا تتحقق بالرصاص ولا بالحصار، بل بإعطاء كل ذي حق حقه وفق قانون نزيه.

ليكن هذا النداء دعوة للعقل، ورجاءً للسلام، ونقطة بداية لحل متزن يُنقذ ما تبقى من ثقة الناس في الدولة. وإن الدم الكردي أغلى من كل الأرض وكل المناصب، ولن نسمح أن يُراق بسبب غياب العدل أو تغليب طرف على طرف. ندعو الجميع، من أبناء العشائر والقوات الأمنية، إلى تغليب صوت العقل على صوت الرصاص، وأن يُعاد الاعتبار للمسارات القانونية والوساطة العقلانية، وأن يُفتح المجال للحوار قبل أن يُدفع ثمن الفوضى من أرواح الأبرياء.

نحن أبناء كردستان، لا أعداؤها. وإن اختلفنا، فبيتنا واحد، وتاريخنا واحد، ومصيرنا مشترك.

والله وليّ التوفيق.