د. فاضل حسن شريف
عن مجلة البيان بدائع (التكرار) في القرآن المجيد للكاتب محمد عبد الشافي القوصي: لقد نزل القرآنُ بلسان العرب، ومِن مذاهبهم التكرار للتأكيد والإفهام، أوْ للتذكير بالنِّعم، أوْ لدلائل الإعجاز. وقد جاء التكرار في نظْم القُرآن على عدة صور: التكرار فنٌّ قولي من أساليب العربية المعروفة، وهو من محاسن الفصاحة. وقد قيل عن فائدته: (إنَّ الناس لوْ استغنوا عن (التكرير) وكُفُوا مؤونة البحث والتنقير لقلَّ اعتبارهم. ومَن قلَّ اعتباره قلَّ عِلمه، ومَن قلَّ عِلمه قلَّ فضله، ومَن قلَّ فضله كثُر نقصه، ومَن قلَّ عِلمه وفضله وكثُر نقصه لم يُحمَد على خيرٍ أتاه، ولم يُذمَّ على شرٍّ جناه، ولم يجد طعم العزِّ، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا برد اليقين ولا راحة الأمن). فهذا لوْ استغنى البشر في الكلام عن التكرار، فما بالك بكلام ربِّ البشر سبحانه؟ فالحديث يُعاد على قدر عِظَـم الـمُحدَّث عنه ومَبْلَغ مكانته، فمثلاً: كرَّر القرآنُ قضية التوحيد وحقيقة البعث بأساليبَ متنوعة، وبألوانٍ مختلفةٍ، لأنهما ركنا السعادة، وقِوامَا الخير والصلاح. أيضاً: الصلاة والصبر ذَكَرَهُما القرآنُ أكثر مِن سبعين مرة، وقرَنَهما في بعض المواضع لِـمَا لهما مِن عظيم الخطَر، وبعيد الأثر في التربية والتهذيب. كذلك الحال في كلِّ ما كرَّر مِن الفوائد مِن مواعظَ وعِبرٍ وقَصص وأنباء.
عن موقع اجابة من أسرار حروف الجر في القرآن الكريم؟ تعد حروف الجر من العناصر اللغوية المهمة في القرآن الكريم، وتستخدم للتعبير عن علاقة بين الكلمات والجمل في النص. وتعد من أسرار حروف الجر في القرآن الكريم: – يتم استخدام حروف الجر للتعبير عن مكان الحدث، مثل “في بيتنا” و”على الأرض”. – يتم استخدام حروف الجر للتعبير عن طريقة القيام بالعمل، مثل “باليمين” و”بالشمال”. – يتم استخدام حروف الجر للتعبير عن أصحاب الملك، مثل “ملك يوم الدين” و”رب العالمين”. – يتم استخدام حروف الجر للتعبير عن الزمان، مثل “في الليل” و”بعد الظهر”. – يتم استخدام حروف الجر للتعبير عن المضمون والغرض، مثل “لله” و”من الله”. – تقوم حروف الجر أحيانًا بتحديد زمان الفعل، كما في “يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ”، حيث أن حرف الجر “يوم” يوضح زمان الحدث. – يتم استخدام حروف الجر للتعبير عن التأني في الفعل، مثل “اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ”، حيث أن حرف الجر “للناس” يفيد التأني في حسابهم. – ينقل حرف الجر روح القرآن، فهو يعلمنا الوجه الرحيم لله، حيث أن حروف الجر في القرآن الكريم تكرر بشكل كبير لتنقل رحمة الله وعفوه ، وذلك بالتأكيد على ان الله سبحانه و تعالى يحب الراحة للناس و التسامح في التعامل معهم، و لا يريد عنفا أو ظلما.
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى عن حرف من “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ” ﴿النور 43﴾ وَيُنَزِّلُ: وَ حرف عطف، يُنَزِّلُ فعل، من حرف جر، يزجي: يُجري و يسَيِّر، برد اسم. يُزْجِي سَحَابًا: يسوقه برفق ويسر. الودق اسم وهو المطر. فَيُصِيبُ: الفاء حرف عطف، يصيب فعل، بِالْأَبْصَارِ: الباء حرف جر، ال أداة تعريف، أبصار اسم. الازجاء هو الدفع، والركام المتراكم بعضه على بعض، والودق هو المطر، والخلال جمع الخلل وهو الفرجة بين الشيئين. والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعنوان أنه سامع فيشمل كل سامع، والمعنى: ألم تر أنت وكل من يرى أن الله يدفع بالرياح سحابا متفرقا ثم يؤلف بينه ثم يجعله متراكما بعضه على بعض فترى المطر يخرج من خلله وفرجه فينزل على الأرض. وقوله: “وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار” السماء جهة العلو، وقوله: “من جبال فيها” بيان للسماء، والجبال جمع جبل وهو معروف، وقوله: “من برد” بيان للجبال، والبرد قطعات الجمد النازل من السماء، وكونه جبالا فيها كناية عن كثرته وتراكمه، والسنا بالقصر الضوء. والكلام معطوف على قوله: “يزجي”، والمعنى: ألم تر أن الله ينزل من السماء من البرد المتراكم فيها كالجبال فيصيب به من يشاء فيفسد المزارع والبساتين وربما قتل النفوس والمواشي ويصرفه عمن يشاء فلا يتضررون به يقرب ضوء برقه من أن يذهب بالأبصار. والآية على ما يعطيه السياق مسوقة لتعليل ما تقدم من اختصاصه المؤمنين بنوره، والمعنى: أن الامر في ذلك إلى مشيته تعالى كما ترى أنه إذا شاء نزل من السماء مطرا فيه منافع الناس لنفوسهم ومواشيهم ومزارعهم وبساتينهم، و إذا شاء نزل بردا فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء.
وردت كلمة من ومشتقاتها في القرآن الكريم: وَمِمَّا مِن وَمِنَ مِمَّا مِنْهَا مِنِّي فَمَن الْمَنَّ مِنْهُ مِنكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مِنْهُمَا لَمَنِ مِمَّن مِنَّا فَمِنْهُم مِنْهُنَّ بِالْمَنِّ وَمِنكُم أَفَمَنِ كَمَن مِنكَ أَوَمَن وَمِنْهَا وَمِمَّنْ لَمِنكُمْ أَمَّن وَلِمَن يَمُنُّ وَمِنْهُ بِمَن مَنَنَّا تَمُنُّهَا وَبِمَن نَمُنَّ وَمِنكَ مِنكُنَّ فَمِنْهُ فَمِنْهَا فَامْنُنْ فَمِنكُم يَمُنُّونَ تَمُنُّوا وَمِنَّا تَمْنُن مِمَّ.
قال الله تعالى عن سماء “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ” ﴿النور 43﴾، “وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا” ﴿الفرقان 25﴾، “وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا” ﴿الفرقان 48﴾، “تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا” ﴿الفرقان 61﴾، “إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ” ﴿الشعراء 4﴾، “فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ” ﴿الشعراء 187﴾، أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” ﴿النمل 64﴾، “وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” ﴿النمل 75﴾، “وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ” ﴿العنكبوت 22﴾، “إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ” ﴿العنكبوت 34﴾، “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ” ﴿العنكبوت 63﴾، “وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿الروم 24﴾، “وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ” ﴿الروم 25﴾، “اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ” ﴿الروم 48﴾، “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ” ﴿لقمان 10﴾، “يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ” ﴿ السجدة 5﴾، “يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ” ﴿سبإ 2﴾، “أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ” ﴿سبإ 9﴾.
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن حرف من “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ” ﴿النور 43﴾ ) يرسل سبحانه الرياح، فتثير سحابا يسوقه من بلد إلى بلد، ثم يجمع بعضه فوق بعض على هيئة الجبال، وفي هذا السحاب ماء سائل، ومتجمد في قطع ثلجية تسمى بردا يخرج من السحاب ” فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ “. يتصرف سبحانه في البرد على موجب حكمته، فان اقتضت إهلاك زرع أو أي شيء أرسل عليه البرد، والا صرفه عنه. وتقدم مثله في الآية 12 من سورة الرعد ج 4 ص 388 وقلنا هناك وفي مناسبات شتى: ان الظواهر الكونية تستند إلى أسبابها الطبيعية مباشرة، وتنتهي إليه تعالى بالواسطة لأنه خالق الكون بما فيه. “يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصارِ”. ضمير برقه يعود إلى السحاب، ويذهب بها يخطفها، قال تعالى: “يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ” (البقرة 20).
جاء في صفحة إعجاز القرآن الكريم – فأتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثلِهِ للكاتب أبو محمد خليفة: وحرفُ اللامِ حرفٌ متوسطٌ في مخرجِه، حرفٌ منفتحٌ مرققٌ، ذَلِقٌ، مجهورٌ استمراريٌّ، جمعَ بينَ صفاتِ الجمالِ بجهرِه، والسهولةِ في النطقِ باستمراريتِهِ وترقيقِهِ. ونلاحظُ في الآيةِ أيضاً استخدامُ الهاء أصليةً في كلمةٍ أو ضميراً للغائب أوالغائبِينَ، حيث وردت أصليةً في موضعين: (جهنم، المهاد). أما ورودُها ضميراً فوقع ضميراً للغائب المفرد في أربعةِ مواضعَ: (لم يستجيبوا له، ومثلَهُ، معَهُ، به)، حيثُ يعودُ الضمير في الموضعِ الأولِ إلى لفظ (ربِّ)، ويعودُ في المواضعِ الثلاثةِ الأخرى إلى (ما في الأرضِ)، أظهرَهُ في المرةِ الأولى إشعاراً به، ثم أضمرَهُ في المراتِ الثلاثةِ التالية، فلا حاجةَ لإظهارِهِ، فضلاً عن تقليلِ قيمتِهِ بالنسبةِ لما في يوم القيامةِ من العذابِ للكافرينَ، والعطاءِ للمؤمنين. ووقعت الهاء في ضمير الغائبين الجماعة في أربعةِ مواضعَ، (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ، لَوْ أَنَّ لَهُم، أُوْلَـئِكَ لَهُمْ، وَمَأْوَاهُمْ) فنجدُ الضميرَ الأولَ منها عائداً إلى الذين استجابوا لربهم، أما الضمائرُ الثلاثةُ الأخرى فكلُّها عائدةٌ للذينَ لم يستجيبوا لربهم. وعليه فقد استخدِمَ ضميرُ الغائبِ المفردِ أربعَ مرات، في الأولى يعود لشيءٍ، وفي الثلاث الأخر يعودُ لشيءٍ آخر، وكذلك استخدِمَ ضميرُ الغائبِ للجماعةِ أربعَ مراتٍ، في الأولى يعودُ لشيءٍ، وفي الثلاثِ الأخرِ يعودُ لشيءٍ آخر، وهكذا تبدو براعةُ الاستخدامِ والتوظيفِ لهذين الضميرين كما بينّا. والهاءُ مع أنه حرفٌ حلقيٌّ يخرجُ من أقصى الحلقِ، لكنه لم يقعْ ساكناً في الآيةِ في دَرْجِ الكلامِ وصلاً، بل متحركاً، وتَحَرُّكُ حرفِ الهاءِ في الوصلِ يُقَلِّلُ منَ كميةِ الهواءِ المستخدمَةِ في نطقِهِ، فلا توجدُ صعوبةٌ في نطقِهِ، وهو حرفٌ استمراريٌّ مهموسٌ مرققٌ منفتحٌ، سهلُ النطقِ خاصةً معَ تَحَرُّكِهِ. ومعَ أنّه حرفٌ ضعيفٌ لكنّه تَقَوَّى في الآيةِ في مواضعِهِ كلها بمجاورتِهِ لمجهورٍ كالباء واللامِ والميمِ والعين والألفِ المدّيةِ، وفي كلِّ مواضعِ ورودِهِ وقعَ بينَ مجهورينِ، تقويةً له.
نلاحظُ التجانسَ الجزئيَّ في الجارِّ والمجرورِ (لَهُ)، والنصفِ الثاني في كلمة (مِثْلَهُ). ونلاحظُ أيضاً توظيفَ حرفِ الواو، فقد وقعَ لجماعةِ الغائبين في ثلاثةِ مواضع: (استجابوا، يستجيبوا، لافتدوا). ووقعَ حرفَ عطفٍ أربعَ مرات: (والذينَ لم يستجيبوا، ومثلَه معَه، ومأواهم، وبئسَ). ووقعت أصليةً في ثلاثةِ مواضعَ: (لو، سوء، مأواهم). وتنشأُ واوٌ حينَ إشباعِ ضمةِ الهاءِ في المواضعِ الثلاثةِ: (لهُ= لهو، مثلَهُ=مثلهو، معَهُ=معهو) والواوُ سواءٌ أكانَ حرفَ مدٍّ، أمْ حرفَ لينٍ، حرفٌ مجهورٌ استمراريٌّ مرقَّقٌ منفتحٌ، سهلُ النطقِ وجميلُ الوقعِ على الأذنِ والسمْعِ. وجواباً على سؤالٍ يردُ غالباً، حول مثل تلك التكرارات، فنقول إن في مثل هذه الحالات يخطئ كثير من الناس، وربما كبار الشعراء، فيقعون في ما يسمى في النقد العربي بـ (المعاظلة اللفظية)، حيث يؤدي تكرار حرف أو كلمة أو أداة إلى تراكُبٍ يشينُ النظم البشري، فيصبح من الصعوبة بمكان قراءة الكلام المتعاظل، فمما عابه النقاد على أبي تمام، وهو من كبار الشعراء، قوله: كأنه لاجتماع الروح فيه له * في كل جارحةٍ من جسمه روح. فانظر إلى ثقل النطق في نهاية الشطر الأول من البيت (فيه له)، وانظر إلى قوله تعالى في سورة يس: (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ) حيث تتالى ضمير الغائب للجمع (هم) ثلاث مرات، وانظر إلى الجمال الصوتي والسمعي الذي أضافه هذا التكرار. واقرأ بيت أبي الطيب المتنبي في وصف الفرس: وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ * سبوحٌ لها منها عليها شواهد فقد وصفه ابن الأثير في كتابه المثل السائر بأنه: (من الثقيل الثقيل الثقيل). واقرأ أيضاً قول المتنبي: تبيت وفودهم تسري إليه * وجدواه التي سألوه اغتفار فخلفهم برد البيض عنهم * وهامهم له معهم معار. يقول عنه ابن الأثير: (وقوله وهامهم له معهم مما يثقل النطق به، ويتعثر اللسان فيه، لكنه أقرب حالاً من الأول). أما عن تكرار الحروف، فيورد النقاد أبياتاً كثيرة ثقل فيها تكرار حرف معين أو أكثر، فمن ذلك قول أحدهم: وقبر حربٍ بمكانٍ قفر * وليس قرب قبر حربٍ قبر.