العراق على خط النار: ثلاثة مستويات مستهدفة من قبل تل أبيب

إيهاب مقبل

اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي لم يكن مجرد حدث سياسي، إنه زلزال استراتيجي هز أركان المنطقة. لحظة فارقة لم تعرفها السياسة الحديثة، حيث تتحول المعادلات من خطاب القوة إلى حسابات الحرب، ومن الرمزية السياسية إلى القدرة على التنفيذ العسكري المباشر. العراق، الذي لطالما كان ساحة ثانوية في المواجهة بين القوى الإقليمية، يصبح اليوم الخط الأمامي، لكن ليس كل من على الأرض هدفًا متساويًا.

العقل الأمني الإسرائيلي والأمريكي لا يسأل عن الشهرة أو الجماهيرية، إنه يسأل: من يشغل غرفة العمليات؟ من يربط العراق بمحور إيران عملياتيًا؟ ومن يملك القدرة على إحداث الضرر الحقيقي والمستمر للكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية؟ الإجابات على هذه الأسئلة تحدد الدوائر المستهدفة، والتي يمكن تصنيفها إلى ثلاث مستويات رئيسية.

القادة العملياتيون: العقول الحربية وراء الأذرع
في قلب هذه الاستراتيجية تأتي الشخصيات العملياتية الصرفة، المديرون العسكريون الذين يقودون الحروب على الأرض، بعيدًا عن الخطاب السياسي أو الظهور الإعلامي. من أبرزهم أحمد محسن فرج الحميداوي، الأمين العام وقائد العمليات الخاصة لكتائب حزب الله، العقل المدبر للعمليات خارج الحدود، والذي يُصنَّف كمن ينفذ لا من يبرر.

هؤلاء القادة هم خط الربط المباشر بين العراق وإيران في الملف العسكري بمحور المقاومة، ومنطق الاستهداف تجاههم يقوم وفقًا للعقيدة الحربية الصهيونية على قطع الأذرع. في هذه العقيدة، أي ضربة لهم تعني تقليص القدرة الإيرانية على تنفيذ العمليات الإقليمية، وتجعلهم أكثر قربًا من الخطر في أي سيناريو لتفكيك محور المقاومة.

إن تعزيز موقعهم وحمايتهم أصبح أولوية استراتيجية، فاستهدافهم من قبل القوى الخارجية سيضعف الاستقرار المحلي والإقليمي، ما يجعل حمايتهم مسألة أمنية عليا.

قادة التأثير الميداني – السياسي: الرموز ذات النفوذ مع قيود الاستهداف
الدائرة الثانية تضم القادة ذوي النفوذ الميداني والسياسي، الذين يمتلكون غطاء جماهيري وبرلماني يحميهم جزئيًا من أي تحرك مباشر. مثال بارز هو قيس الخزعلي، الذي تحول من قائد مؤثر على الأرض إلى شخصية سياسية علنية.

استهداف مثل هذه الشخصيات يحمل تكلفة سياسية عالية، فهو قد يثير انفجارًا شعبيًا واسعًا ويحرج واشنطن أمام الحكومة العراقية. لذلك، غالبًا ما يتم مراقبتهم عن كثب بدل استهدافهم، إلا إذا تغيّرت قواعد اللعبة بشكل جذري، مثل اندلاع صراع مفتوح أو انهيار شبكات الحماية الأمنية المحيطة بهم. هؤلاء القادة يمثلون حالة توازن دقيقة بين النفوذ السياسي والقدرة العسكرية، أي خطوة ضدهم دائمًا محفوفة بالمخاطر.

الرموز الدينية والاجتماعية: التأثير الرمزي والشرعي
الدائرة الثالثة تشمل الشخصيات التي تلعب دورًا في المجال الاجتماعي والديني، مثل محمد الطبطبائي، والتي يكون تأثيرها قائمًا على الخطاب والرمزية أكثر من التحكم المباشر بالعمليات العسكرية.

هؤلاء الرموز يساهمون في تعزيز الشرعية الشعبية والاجتماعية لمحور المقاومة في العراق، ويعملون كعامل توازن بين القوى الميدانية والسياسية، ما يجعل الحفاظ على دورهم جزءًا من استراتيجية المقاومة الشاملة، بعيدًا عن أي استهداف عسكري أو سياسي مباشر.

ولا يشمل ذلك الرموز الدينية والاجتماعية المعروفة، مثل مقتدى الصدر أو علي السيستاني، إذ يتركز الاستهداف على من يمتلك القدرة العملياتية المباشرة على الأرض، أو من يُظهر ولاءً واضحًا لمحور المقاومة وولاية الفقيه.

التحول بعد اغتيال المرشد: من الاحتواء إلى التفكيك
اغتيال خامنئي قد يدفع تل أبيب وواشنطن إلى الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة التفكيك. لكن هذا التفكيك ليس عشوائيًا، ولا يعني استهداف الرموز الشعبية التي قد تثير الشارع بلا مردود استراتيجي. بل يتركز على:

1. العقول العملياتية التي تدير الحروب والشبكات الإقليمية.

2. غرف الربط بين العراق وإيران، التي تشكل العمود الفقري للقدرات الإيرانية.

3. الشخصيات التي يصعب تعويضها أو إعادة إنتاجها، وتمثل قوة تأثير حقيقية على الأرض.

في هذا السياق، تركز الاستراتيجية على التأثير المباشر في العمليات العسكرية والسيطرة على الميدان، بدلًا من الانشغال بشهرة الشخصيات أو رموزها السياسية. هذا النهج يجعل إدارة الصراع أكثر دقة، ويقلل المخاطر السياسية على تل أبيب وواشنطن، لأنه يوجّه الاهتمام نحو من يملك السيطرة الفعلية على القوة واتخاذ القرار على الأرض.

الخاتمة: تداعيات استراتيجية وإقليمية
في الختام، يمكن القول إن العراق أصبح اليوم أكثر من مجرد ساحة صراع جانبية، إنه محور الاختبار الاستراتيجي لتوازن القوى في المنطقة. المستويات الثلاثة المستهدفة من قبل تل أبيب – العقول العملياتية، القادة ذوو النفوذ الميداني والسياسي، والرموز الاجتماعية والدينية – تكشف عن نهج مدروس يركز على من يتحكم بالقرار والقدرة على التأثير العسكري، بعيدًا عن الشهرة أو الرمزية وحدها. هذا التحليل يضع العراق على خط النار، لكنه أيضًا يؤكد أهمية فهم طبيعة الاستهداف في المرحلة القادمة.

انتهى