د. فاضل حسن شريف
جاء في موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام للشيخ باقر شريف القرشي: “وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ” (القصص 5) استشهد الإمام عليه السلام بالآية في هذا الحديث، قال عليه السلام: (لتعطفنّ الدّنيا علينا بعد شماسها عطف الضّروس على ولدها)، وتلا الآية. ويشير الإمام في حديثه إلى حكومة المصلح الأعظم الإمام المهدي عليه السلام الذي يقيم اعوجاج الدين ويصلح ما فسد من امور الدنيا. وفي الدرّ المنثور: أنّ الإمام عليه السلام فسّر المستضعفين بيوسف وولده. قال الله جل جلاله “وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” (القصص 77) أثر عن الإمام عليه السلام أنّه فسّر قوله تعالى: “وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا” (القصص 77)، (أي لا تنس صحّتك وقوّتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الآخرة).
ويستطرد الشيخ باقر شريف القرشي رحمه الله في موسوعته قائلا: “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ” (القصص 83) كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في أيام خلافته يمشي في الأسواق وهو يرشد الضالّ، ويعين الضعيف، ويمرّ بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن، ويقرأ: “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً” (القصص 83)، ويقول: (نزلت هذه الآية في أهل العدل والمواضع من الصّلاة وأهل القدرة من سائر النّاس). قوله عز شأنه “وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” (القصص 88) قال عليه السلام في تفسير هذه الآية: (المراد كلّ شيء هالك إلاّ دينه، لأنّ من المحال أن يهلك منه كلّ شيء ويبقى الوجه، هو أجلّ وأعظم من ذلك، وإنّما يهلك ما ليس منه ألا ترى أنّه قال: “كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ” (الرحمن 26-27)).
جاء في موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام للشيخ باقر شريف القرشي: “إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ” (المائدة 55) هذه الآية المباركة التي قلّدت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وسام الولاية، وقرنتها بولاية الله تعالى ورسوله العظيم، ونقف وقفة قصيرة في البحث عنها. سبب نزولها: أمّا سبب نزول الآية فقد رواه الصحابي الجليل أبو ذرّ الغفاري، قال في حديث له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلاّ فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا، يقول: (عليّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله). أما إنّي صلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا، وكان عليّ راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختّم فيها، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: (اللهمّ، موسى سألك فقال: “رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي” (طه 25 -32)، فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: “قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا ” (القصص 35). اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليّا، اشدد به ظهري)، فما استتمّ كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله تعالى، فقال: يا محمّد، اقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ: “إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ” (المائدة 55). وروى الإمام أبو جعفر عليه السلام أنّ رهطا من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام، وأسد بن ثعلبة، وابن يامين، وابن صوريا، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا له: يا نبيّ الله، إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيّك يا رسول الله؟ ومن وليّنا بعدك؟ فنزلت هذه الآية: “إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ” (المائدة 55). قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قوموا)، فقاموا معه إلى المسجد فإذا سائل خارج، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا سائل، هل أعطاك أحد شيئا؟). قال: نعم، هذا الخاتم. قال: (من أعطاكه؟). قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلّي. قال: (على أيّ حال أعطاك؟). قال: كان راكعا، فكبّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكبّر أهل المسجد. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (عليّ وليّكم بعدي). قالوا: رضينا بالله ربّا، وبمحمّد نبيّا، وبعليّ بن أبي طالب وليّا، فأنزل الله تعالى: “وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ” (المائدة 56). وروى عمّار بن ياسر قال: وقف سائل لعليّ بن أبي طالب وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فنزل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية: “إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ” (المائدة 55)، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علينا، ثمّ قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ ووال من والاه، وعاد من عاداه). وانبرى حسّان بن ثابت فنظم هذه المنقبة والكرامة للإمام قائلا: أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكلّ بطيء في الهدى ومسارع أ يذهب مدحي والمحبّين ضائعا * وما المدح في ذات الإله بضائع فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع * فدتك نفوس القوم يا خير راكع بخاتمك الميمون يا خير سيّد * ويا خير شار ثمّ يا خير بائع فأنزل فيك الله خير ولاية * وبيّنها في محكمات الشّرائع. دلالة الآية: أمّا دلالة الآية الكريمة فهي صريحة وواضحة بإثبات الولاية المطلقة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام على جميع العباد، كولاية الله تعالى وولاية رسوله، وقد أكّد القرآن الكريم هذه الولاية بأداة الحصر وهي (إنّما) واسمية الجملة، وقد عبّرت الآية عن الإمام عليه السلام بصيغة الجمع “الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ” (المائدة 55) إلى آخر الآية، ولم تعبّر عنه بصيغة المفرد تعظيما وتكريما وتبجيلا لهذا العملاق العظيم الذي قام الإسلام بجهوده وجهاده.