لقمان البرزجي .. المانيا
تطل علينا شواهد التاريخ القريب لتضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول فلسفة الحكم وإدارة الدولة؛ فبينما كانت الثورات والتحولات السياسية في دول الجوار، كإيران مثلاً، تتخذ من “جهاد البناء” شعاراً ومنهجاً لمد جسور التنمية إلى أبعد قرية وريف، عبر تشييد المدارس والمستوصفات وإيصال الطاقة الكهربائية لكل بيت، نجد أن المشهد العراقي العام، وبكل أسف، يسير في اتجاه معاكس تماماً، حيث تآكلت البنى التحتية وغابت التنمية الحقيقية خلف غبار الصراعات والمحاصصة. إن المتأمل في حال العراق اليوم يرى بوضوح تلك الفجوة العميقة بين الموارد الهائلة والنتائج الهزيلة. فالعراق الذي يمتلك خزيناً نفطياً وعقولاً بشرية فذة، يعاني من تعطل كامل في ماكنة الإعمار. فالمدن العراقية، لاسيما في الوسط والجنوب، باتت تئن تحت وطأة الإهمال؛ مستشفيات متهالكة لا تسر الناظرين، ومدارس طينية تجاوزها الزمن، وشبكات كهرباء لا تمنح إلا الوعود المقطوعة. هذا الواقع المرير لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لغياب الإرادة السياسية الصادقة التي تجعل من خدمة المواطن وبناء الوطن أولوية قصوى تتقدم على المصالح الحزبية والفئوية الضيقة. وفي المقابل، يبرز إقليم كردستان كنموذج صارخ للمقارنة، رغم كل التحديات الاقتصادية والسياسية التي واجهها. فبالرغم من قطع الميزانية الاتحادية لسنوات، والضغوطات المالية الكبيرة، استطاع الإقليم أن يحافظ على وتيرة إعمار ملحوظة، وأن يحول مدنه إلى مراكز استقطاب سياحي واستثماري. إن الفارق هنا لا يكمن في حجم الأموال المتوفرة فحسب، بل في الرؤية الإدارية والقدرة على توظيف المتاح من أجل خلق واقع أفضل. ففي الوقت الذي تغرق فيه بغداد ومدن الجنوب في دوامة الروتين والفساد الإداري الذي يلتهم المخصصات المالية قبل أن تصل إلى مشاريعها، نجد أن كردستان قد ركزت على إرساء دعائم بيئة آمنة للمستثمرين، واهتمت بتطوير البنية التحتية من طرق وجسور ومرافق خدمية حديثة. إن هذه المفارقة تثير في النفس لواعج الأسى؛ فكيف يمكن لبلد واحد أن يعيش تناقضاً بهذا الحجم؟ وكيف تنجح تجربة الإعمار في جزء منه رغم الحصار المالي، بينما تفشل في الجزء الأكبر رغم تدفق المليارات؟ الإجابة تكمن في مفهوم “المواطنة” و”المسؤولية”. فالبناء ليس مجرد حجر يوضع فوق حجر، بل هو عقيدة سياسية تؤمن بأن قوة الدولة من قوة عمرانها ورفاهية شعبها. لقد غابت عن مراكز القرار في العراق تلك الروحية التي انطلقت بها حملات “جهاد البناء” في دول أخرى، حيث كان العمل التطوعي والهمة الوطنية يسابقان الزمن لتغيير واقع الريف والمناطق المحرومة. وبدلاً من ذلك، استشرى الفساد الذي أصبح مؤسسة موازية للدولة، تعطل المشاريع وتسرق أحلام الشباب في رؤية وطن متطور. إن العراق اليوم بحاجة ماسة إلى ثورة عمرانية حقيقية، لا تكتفي بالشعارات، بل تنزل إلى الشارع والميدان، وتعيد ترتيب الأولويات بحيث يكون الإعمار هو الجهاد الحقيقي الذي تخوضه الدولة ضد التخلف والفقر والضياع. إن المقارنة بين حال المحافظات العراقية وإقليم كردستان ليست من باب التمييز، بل هي صرخة من أجل التصحيح. فالعراقيون في البصرة والناصرية والموصل يستحقون ذات الشوارع المعبدة، وذات المستشفيات الحديثة، وذات الاستقرار الخدمي الذي ينعم به أقرانهم في أربيل ودهوك وسليمانية. إن استمرار حالة الركود هذه، مع وجود كل مقومات النهضة، هو جريمة بحق الأجيال القادمة، وتأكيد على أن المشكلة في العراق لم تكن يوماً في نقص المال، بل في وفرة الفساد وغياب الضمير القيادي الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.