حين تصبح الحياة نصًّا… ويمسي الإنسان بطل الحكاية

أمير الشذر

حين تصبح الحياة نصًّا… ويمسي الإنسان بطل الحكاية

قراءة في المجموعة القصصية «نسخ غير منقحة من الحياة» للكاتب العراقي رياض سعد

في زمنٍ تتكاثر فيه النصوص وتتراجع فيه الحكايات الحقيقية، تبرز مجموعة «نسخ غير منقحة من الحياة» للكاتب العراقي رياض سعد بوصفها محاولة جادة للعودة إلى الإنسان بوصفه محور السرد وغايته.

فالكتاب، الذي يضم اثنتين وسبعين قصة على امتداد أربعمئة وخمس عشرة صفحة، لا يكتفي بسرد الوقائع والأحداث، بل يتخذ من الحياة نفسها مادة خامًا للكتابة، ومن التجربة الإنسانية ميدانًا رحبًا للتأمل والكشف.

ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة منذ صفحاتها الأولى هو قدرة الكاتب على التقاط التفاصيل التي تمرّ عادةً من دون انتباه.. , فهو لا يبحث عن الأبطال الاستثنائيين بقدر ما ينشغل بالإنسان العادي؛ ذلك الذي يمشي بين الناس مثقلًا بأحلامه وخيباته، وانتصاراته الصغيرة وهزائمه الصامتة.. ,  ومن هنا تكتسب قصصه صدقيتها وقربها من القارئ، إذ يشعر المرء وهو يقرأها أنه لا يطالع شخصيات متخيلة فحسب، بل يقرأ وجوهًا صادفها في الطريق أو عاش شيئًا من مصائرها.

ويتميّز أسلوب رياض سعد بقدرته على المزج بين السرد الأدبي والتأمل النفسي والاجتماعي.. ,  فقصصه لا تنتهي عند حدود الحكاية، بل تفتح أبوابًا واسعة للتفكير في الإنسان وعلاقته بالآخرين وبالزمن وبالمجتمع.. ,  ولعلّ هذه السمة هي التي تمنح نصوصه عمقًا يتجاوز المتعة القرائية الآنية إلى فضاء أرحب من الأسئلة والدلالات.

كما يلحظ القارئ حضور الحسّ الفلسفي في عدد من القصص، من دون أن يتحول إلى خطاب مباشر أو وعظي.. ,  فالكاتب يترك للأحداث والشخصيات مهمة التعبير عن أفكاره، ويمنح القارئ فرصة اكتشاف المعاني بنفسه.. ,  وهذه من الصفات التي تميز الأدب الناضج عن الكتابة التي تكتفي بإعلان أفكارها بصورة مباشرة.

أما على المستوى الفني، فتتسم المجموعة بتنوع ملحوظ في البناء السردي والزوايا التي تُروى منها الأحداث، الأمر الذي يكسر الرتابة ويمنح النصوص حيوية مستمرة.. ,  كما أن اللغة تتراوح بين البساطة والبلاغة، محافظةً على قدرتها في نقل الفكرة والإحساس من دون تكلف أو استعراض لغوي.

إن «نسخ غير منقحة من الحياة» ليست مجرد مجموعة قصصية أخرى تضاف إلى رفوف المكتبة العربية، بل هي شهادة أدبية على قدرة السرد على استنطاق الواقع وكشف ما يختبئ خلف ملامحه اليومية.. ,  وفيها يؤكد رياض سعد حضوره بوصفه كاتبًا ينحاز إلى الإنسان، ويجيد الإصغاء إلى الأصوات الخافتة التي غالبًا ما تتوارى خلف ضجيج الحياة.

وإذا كان للأدب الحقيقي أن يُقاس بقدرته على جعل القارئ يرى نفسه والعالم من حوله بعيون جديدة، فإن هذه المجموعة تحقق جانبًا مهمًا من ذلك؛ إذ تجعل من القصص مرايا متعددة تعكس وجوه الحياة كما هي: جميلة وقاسية، مضيئة ومعتمة، لكنها في جميع الأحوال جديرة بأن تُروى.