«نسخ غير منقحة من الحياة»… سرديةُ الهشاشة الإنسانية في عالم رياض سعد

حسن هادي

حين يكتبُ بعضُ الكتّاب قصصهم، فإنهم يبدون كمن يرتّب العالم، أو يحاول ترميمَ تشققاتِه بالكلمات.. ,  أمّا رياض سعد، فيكتبُ كمن يزيحُ الغطاء عن تلك التشققات ذاتها، ويتركها عاريةً أمام القارئ، بكل ما فيها من صدقٍ مُربك، وألمٍ إنسانيّ، وأسئلةٍ لا تنتهي.

ولهذا جاءت مجموعته القصصية الأولى: «نسخ غير منقحة من الحياة» أشبهَ بوثيقةٍ أدبيةٍ لا تسعى إلى تجميل الواقع بقدر ما تسعى إلى القبض على ارتجافه الداخلي، وصوته الخافت المختبئ خلف الضجيج اليومي.

هذه القصص ليست حكاياتٍ بالمعنى التقليدي وحده، بل هي مرايا متكسّرة لروح الإنسان العراقي المعاصر، وهو يتنقل بين الخسارات الصغيرة والكبيرة، بين الخوف والحنين، بين الانكسار والرغبة الغامضة في النجاة.

إنّها نصوصٌ تنبع من قلب الحياة لا من هوامشها؛ من الأزقة المعتمة، ومن المقاهي المُنهكة، ومن البيوت التي تراكم فيها الصمت أكثر مما تراكم فيها الأثاث، ومن الأرواح التي أرهقها الانتظار حتى صارت تشبه ظلالها.

في هذه المجموعة، لا يبدو رياض سعد قاصًّا يروي الأحداث بقدر ما يبدو مُنقّبًا في طبقات النفس البشرية، وباحثًا عن تلك اللحظة التي يتحول فيها الإنسان من كائنٍ عادي إلى سؤالٍ وجوديّ مفتوح.

شخصياته ليست بطولية، لكنها حقيقية إلى حدّ الوجع؛ تمشي بيننا، تتعثر مثلنا، وتخفي هزائمها اليومية خلف تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها في العمق تحمل أثقالَ أعمارٍ كاملة.

وما يمنح هذه النصوص خصوصيتها ليس موضوعاتها فحسب، بل تلك اللغة التي يكتب بها المؤلف؛ لغةٌ تمتزج فيها الحساسية الشعرية بالنبرة الفلسفية، والواقعية القاسية بالخيال السريالي، حتى تبدو بعض القصص وكأنها أحلامٌ مشوبةٌ بالرماد، أو اعترافاتٌ خرجت متأخرة من قلب مدينةٍ أنهكتها الحروب والأسئلة والانقسامات.

إنّ القارئ هنا لا يواجه نصوصًا تُقرأ سريعًا ثم تُنسى، بل يواجه عوالمَ تتسلل إليه بهدوء، ثم تستقر في داخله طويلًا.

ولعلّ العنوان: «نسخ غير منقحة من الحياة» ليس مجرد عنوانٍ أدبي، بل مفتاحٌ دلاليّ لفهم روح هذه المجموعة كلّها.. ؛ فالحياة، كما يراها الكاتب، ليست نصًا نهائيًا مكتملًا، بل مسوداتٌ متعبة، مليئة بالشطب والندوب والأخطاء والخيبات واللحظات الناقصة. لذلك تأتي القصص هنا بلا أقنعةٍ كثيرة، وبلا محاولاتٍ متكلّفة لتلميع البشر أو الواقع؛ إنها تقترب من الإنسان كما هو: هشًّا، متناقضًا، حالمًا، ومكسورًا في آنٍ واحد.

إنّ صدور هذه المجموعة لا يمثل فقط بدايةً قصصيةً أولى لرياض سعد، بل يكشف أيضًا عن صوتٍ سرديّ عراقيّ يمتلك رؤيته الخاصة، وصبره الخاص على الحفر في المسكوت عنه، وفي المناطق المعتمة من الروح والمجتمع.

صوتٌ لا يكتفي بوصف العالم، بل يحاول فهمه، ومساءلته، وتعريته أحيانًا، عبر قصصٍ تلامس التخوم الفاصلة بين الأدب والفلسفة، بين الواقع والكابوس، وبين الإنسان وصورته التي يخشى رؤيتها في المرآة.

لهذا كلّه، فإنّ هذه المجموعة لا تُقرأ بوصفها مجرد نصوص متفرقة، بل بوصفها سيرةً خفيةً لجيلٍ كامل، ومرثيةً ناعمةً لأشياء كثيرة انكسرت في الداخل العراقي والإنساني معًا، دون أن يتوقف أصحابها عن محاولة العيش.

هنا… لا يقدم رياض سعد نسخًا منقحة من الحياة، بل يقدّم الحياة نفسها، وهي تخرج من بين أصابعه متعبةً، صادقةً، ومحمّلةً بكل ما لا تستطيع اللغة أحيانًا أن تقوله.