الكاتب : فاضل حسن شريف
تبين الآية المباركة أنّه إذا اقتضت الظروف التقية فللمسلمين أن يظهروا الصداقة لغير المؤمنين الذين يخشون منهم على حياتهم بشرط عدم جعلهم أسياد والمسلمين عبيد لهم وإنما الابتعاد ودفع شرهم. والمرجعية الدينية الرشيدة تتبع القرآن في توجيهاتها الناصحة الى الطريق السليم. جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ” (آل عمران 28) التقية: يبتدئ تاريخ التقية بتاريخ الإسلام يوم كان هذا الدين ضعيفا. وبطلها الأول الصحابي الشهير عمار بن ياسر، حيث أسلم هو وأبوه وأمه، وعذبوا في سبيل اللَّه، فاحتملوا الأذى والعذاب من غير شكاة. مر رسول اللَّه بآل ياسر، وهم يعذبون، فلم يزد ياسر على ان قال: الدهر هكذا يا رسول اللَّه. فقال النبي (صلى الله عليه واله): صبرا آل ياسر، فان موعدكم الجنة، وكان ياسر وامرأته سمية أول شهيدين في الإسلام. وأكره المشركون عمارا على قول السوء في رسول اللَّه، فقاله دفعا للضرر عن نفسه، فقال بعض الأصحاب: كفر عمار. فقال النبي: كلا، ان عمارا يغمره الايمان من قرنه إلى قدمه.. وجاء عمار إلى النبي، وهو يبكي نادما. فمسح النبي عينيه وقال له: لا تبك ان عادوا لك فعد لهم بما قلت. فنزل في عمار قوله تعالى: “مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ” (النحل 106). ولم يختلف اثنان في أن هذه الآية نزلت في عمار. وبديهة ان العبرة بعموم اللفظ، لا بسبب النزول، واللفظ هنا عام يشمل كل من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. ثم نزلت الآية 28 من سورة آل عمران التي نحن بصددها تؤكد آية عمار ابن ياسر، ومثلها الآية 27 من سورة المؤمن: “وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ”. والآية 119 من سورة الانعام: “إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ”. وكما جاءت الرخصة في كتاب اللَّه بالتقية فقد جاءت أيضا في سنة رسوله، قال الرازي في تفسيره الكبير، والسيد رشيد رضا في تفسير المنار، وغيرهما كثير، قالوا: ان مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللَّه، فقال لأحدهما: أتشهد اني رسول اللَّه؟ قال: نعم. فأطلقه. وقال للثاني: أتشهد اني رسول اللَّه؟ فلم يشهد. فقتله. ولما بلغ رسول اللَّه ذلك قال: أما المقتول فمضى على يقينه وصدقه، فهنيئا له، وأما الآخر فقبل الرخصة فلا تبعة عليه. جاء في تفسير المنار: (ان البخاري نقل في صحيحه عن عائشة ان رجلا استأذن على رسول اللَّه، فقال النبي: بئس ابن العشيرة، ثم أذن له، ولما دخل ألان له الرسول القول. وبعد أن خرج قالت عائشة للنبي: قلت في هذا الرجل ما قلت، ثم ألنت له القول؟ فقال: ان من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه. وفي البخاري أيضا في حديث أبي الدرداء: إنّا لنكشر أي نبتسم في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتلعنهم).
هذا، بالإضافة إلى أحاديث أخرى تدل بعمومها على جواز التقية مثل حديث: (لا ضرر ولا ضرار). وحديث: (رفع عن أمتي ما اضطروا إليه). وهذان الحديثان متواتران عند السنة والشيعة. واستنادا إلى كتاب اللَّه، وسنة نبيّه المتواترة أجمع السنة والشيعة قولا واحدا على جواز التقية، قال الجصاص من أئمة الحنفية في الجزء الثاني من كتاب أحكام القرآن ص 10 طبعة 1347 ه ما نصه بالحرف: “إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً”، يعني أن تخافوا تلف النفس، أو بعض الأعضاء، فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها.. وعليه جمهور أهل العلم). ونقل الرازي في تفسيره عن الحسن البصري انه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة، وأيضا نقل عن الشافعي أنه أجاز التقية وعممها للمسلم إذا خاف من المسلم لما بينهما من الاختلاف فيما يعود إلى مسائل الدين. وقال صاحب تفسير المنار عند تفسير قوله تعالى: “إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً” ما نصه بالحرف: (من نطق بكلمة الكفر مكرها وقاية لنفسه من الهلاك، لا شارحا للكفر صدرا، ولا مستحبا للدنيا على الآخرة لا يكون كافرا، بل يعذر، كما عذر عمار بن ياسر، وقال الشيخ مصطفى الزرقا في كتاب الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد مادة 600: (التهديد بالقتل للإكراه على الكفر يبيح للشخص التظاهر به مع اطمئنان قلبه بالإيمان). إلى غير ذلك كثير. وبالإضافة إلى كتاب اللَّه، وسنّة رسوله، واجماع المسلمين سنّة وشيعة على جواز التقية فإن العقل يحكم بها أيضا ويبررها لقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات). وبهذا يتبين معنا ان التقية قاعدة شرعية يستند إليها المجتهد الشيعي والسني في استنباط الأحكام، وأن الدليل عليها الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وعليه تكون التقية مبدأ اسلامياً عاماً تؤمن به جميع المذاهب الإسلامية، وليست مذهباً خاصاً بفريق دون فريق، و مذهب دون مذهب، كما يتوهم – إلا الخوارج – وهنا سؤال يفرض نفسه، وهو إذا كانت التقية جائزة كتابا وسنة وعقلا واجماعا من الشيعة والسنة فلماذا نسبت إلى الشيعة فقط، حتى أن كثيرا من شيوخ السنة شنعوا على الشيعة، ونسبوهم إلى البدعة من أجلها؟. الجواب: أما نسبتها إلى الشيعة فقط، أو اشتهار الشيعة بها فقد يكون سببه ان الشيعة اضطروا للعمل بها أكثر من غيرهم بالنظر لما لا قوه من الاضطهاد في العصر الأموي والعصر العباسي، وما تلاهما ومن أجل اضطرار الشيعة إلى الأخذ بالتقية كثيرا أو أكثر من غيرهم اهتم بها فقهاؤهم، وذكروها في مناسبات شتى في كتب الفقه، وحددوا مفهومها، وبينوا قيودها وحدودها، متى تجوز؟ ومتى لا تجوز. وخلاصة ما قالوه: انها تجوز لرفع الضرر عن النفس، ولا تجوز لجلب المنفعة، ولا لإدخال الضرر على الغير. أما من خصّ التقية بالشيعة فقط، وشنّع بها عليهم فهو اما جاهل، واما متحامل، ومهما يكن، فلا موضوع اليوم ولا موجب للعمل بالتقية من غير فرق بين السنة والشيعة فتوى وعملا بعد أن ولَّى زمن الخوف والاضطهاد. “وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ”. أي ذاته التي تعلم كل شيء، وتقدر على كل شيء، وتجازي كل إنسان حسب عمله. “وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ”. والمرجع، وهناك توفى كل نفس ما عملت.
جاء في الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام عن فقه الشيعة في التقية: لا ريب أنّ كلّ إنسان إذا أحسَّ بالخطر على نفسه أو ماله بسبب نشر معتقده أو التظاهر به لا بدَّ أن يتكتَّم ويتّقي في مواضع الخطر، وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول. فالتقية التي تؤمن بها الشيعة وانطلاقاً من الظلم والتعسف الذي لحق بهم على مر التاريخ: هي كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا. وهي من الأمور التي يشنّع بعض الناس، ويزدري على الشيعة بقولهم بها، جهلاً منهم بمعناها وبموقعها وحقيقة مغزاها، ولو تثبتوا في الأمر، وتريّثوا، وصبروا، وتبصّروا لعرفوا أنّ التقية لا تختص بالشيعة، ولم ينفردوا بها، بل هي من ضروري العقل، وعليه جبلّة الطباع وغرائز البشر مستندها القرآن الكريم”لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ” (ال عمران 28) ورائدها القرآن والعلم، وقائدها العقل، ولا تنفك عنهم قيد شعرة، إذ أنّ كل انسان مجبول على الدفاع عن نفسه والمحافظة على حياته.
عن موقع زاكروس مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق: الأولوية الآن إبعاد العراق عن الصراع بالمنطقة بتأريخ 12 نوفمبر 2024: قال مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، إن “الأولوية الآن إبعاد العراق عن الصراع بالمنطقة”، في سياق تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران. أفاد شينكر، في مقابلة مع قناة “الحرة”، بأن “العراق يجدد التأكيد على موقفه الثابت برفض استخدام أراضيه وأجوائه للاعتداء على دول الجوار والمنطقة”، كاشفا في المقابل أن طلب العراق، عبر رئيس الوزراء محمد السوداني، من واشنطن التدخل لإقناع إسرائيل بعدم استخدام الأجواء العراقية في عملياتها العسكرية الجوية ضد إيران “لن يحظى باستجابة من الولايات المتحدة”. يأتي ذلك في الوقت الذي تعسى فيه تسعى الحكومة العراقية، برئاسة محمد شياع السوداني، إلى إبقاء العراق بعيدا عن دائرة الصراع في المنطقة، ومنع تعرض البلاد لأي ضربات، بالإضافة إلى منع استهداف إسرائيل من أراضيها، ففي اجتماع المجلس الوزاري للأمن الوطني الذي عقد في السادس من نوفمبر الحالي، أكد المجلس الذي يرأسه السوداني، أن مصلحة العراق، تحتم إبعاد أراضيه وأجوائه عن “آلة الحرب التي تسعى إسرائيل لتوسعتها”، وفقا لبيان حكومي. كذلك قال عضوان في البرلمان العراقي، إن رسائل عديدة أوصلها مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي إلى الإيرانيين في زيارته الأخيرة لطهران، أبرزها قرار العراق البقاء خارج دائرة أي حرب محتملة، وأكّدا وجود خشية عراقية من جرّ البلاد إلى الحرب، بسبب النشاطات العسكرية للفصائل المسلحة القريبة من إيران.وفق ما نقلته “العربي الجديد”. أضاف شينكر أنه “غير واثق أن هذا سينجح، هذا وكشف المتحدث أن واشنطن حذرت بغداد في حال استخدمت أراضيها لتنفيذ هجوم، داعيا إلى “ضبط الحدود العراقية ومنع عمليات التهريب”. كذلك شهدت بغداد، الأسبوع الفائت، سلسلة من الاجتماعات السياسية والحكومية مع قيادات عسكرية وأمنية ركزت على مسألة التطورات بالمنطقة، وأهمية تجنيب العراق أي حرب أو عدوان. ويأتي ذلك بعد يوم من إعلان السوداني تلقّيه مكالمة هاتفية من وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، قال إنها بحثت مجمل الأوضاع في المنطقة.