الكاتب : فاضل حسن شريف
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” ﴿آل عمران 113﴾ قوله تعالى: “لَيْسُوا سَوَاءً” إلى قوله: “بِالْمُتَّقِينَ” السواء مصدر أريد به معنى الوصف أي ليسوا مستوين في الوصف والحكم فإن منهم “أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ” “الخ”، ومن هنا يظهر أن قوله: “مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ” “الخ” في مقام التعليل يبين به وجه عدم استواء أهل الكتاب. وقد اختلف في قوله: “قَائِمَةٌ” فقيل: أي ثابتة على أمر الله، و قيل: أي عادلة، و قيل: أي ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة، و الحق أن اللفظ مطلق يحتمل الجميع غير أن ذكر الكتاب و ذكر أعمالهم الصالحة يعين أن المراد هو القيام على الإيمان و الطاعة. والآناء جمع إنى بكسر الهمزة أو فتحها، و قيل: إنو و هو الوقت. والمسارعة المبادرة و هي مفاعلة من السرعة قال في المجمع،: و الفرق بين السرعة والعجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه، وهي محمودة و ضدها الإبطاء، و هو مذموم، والعجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة، وضدها الأناة وهي محمودة، انتهى، والظاهر أن السرعة في الأصل وصف للحركة، والعجلة وصف للمتحرك. والخيرات مطلق الأعمال الصالحة من عبادة أو إنفاق أو عدل أو قضاء حاجة، و هو جمع محلى باللام، و معناه الاستغراق، و يكثر إطلاقه على الخيرات المالية كما أن الخير يكثر إطلاقه على المال.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” ﴿آل عمران 113﴾ الإسلام وخصيصة البحث عن الحقّ: بعد كلّ ذلك الذم لليهود، الذي تضمنته الآيات السابقة بسبب مواقفهم المشينة وأفعالهم الذميمة نجد القرآن كما هو شأنه دائماً يراعي جانب العدل والإنصاف، فيحترم كلّ من تنزه عن ذلك السلوك الذميم الذي سار عليه اليهود، ويعلن بصراحة أنه لا يعمم ذلك الحكم، وإنه لا يمكن النظر إلى الجميع بنظرة واحدة دون التفريق بين من أقام على تلك الفعال، وبين من غادرها وطلب الحقّ، ولهذا يقول: “لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” (آل عمران 113). أجل ليس أهل الكتاب سواء، فهناك جماعة تطيع الله وتخافه، وتؤمن به وتهابه، وتؤمن بالآخرة وتعمل لها، وتقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبهذا يتورع القرآن الكريم عن إدانة العنصر اليهودي كافة، بل يركز على أفعالهم وأعمالهم وممارساتهم، ويحترم ويمدح كلّ من انفصل عن أكثريتهم الفاسدة، وخضع للحقّ والإيمان، وهذا هو أُسلوب الإسلام الذي لا يعادي أحداً على أساس اللون والعنصر، بل إنما يعاديه على أساس اعتقادي محض، ويكافحه إذا كانت أعماله لا تنطبق مع الحقّ والعدل والخير، لا غير. ثمّ إنه يستفاد من بعض الأحاديث أن الممدوحين في هذه الآية لم ينحصروا في (عبدالله بن سلام) وجماعته الذين أسلموا معه، بل شمل هذا المدح (40) من نصارى نجران و (32) من نصارى الحبشة و (8) أشخاص من أهل الروم كانوا قد أسلموا قبل ذلك، ويدل على ذلك أن الآية استخدمت لفظة (أهل الكتاب) وهو كما نعرف تعبير يعم اليهود وغيرهم.
جاء في موقع مؤسسة تراث الشهيد محمد بافر الحكيم عن مفهوم الامة في السياق القرآني للدكتور محمد جعفر العارضي: ومما تقدم نصير مع السيد محمد باقر الحكيم قدس سره الى أنَّ القرآن الكريم حينما يؤكد هنا على مفهوم الأُمَّة يعبر بها عن الجماعة التي يشترك افرادها في التأريخ المعنوي العقائدي و السلوكي. وكذلك يشترك ابناؤها في العقيدة و السلوك الاجتماعي القائم على هذه العقيدة، فتظهر رابطة السلوك الاجتماعي العام متمثلا بالدعوة الى الخير والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وورد لفظ الامة في آيات منها: “لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” (آل عمران 113). و تظل للفظة الأُمَّة دلالتها على جماعة العلماء في هذا السياق، فيكون العلم من مظاهر السلوك العام الذي تتبناه هذه الامَّة. ويظهر ايضا الأجل المعنوي، وهو الاجل للعلاقات التي تربط بين هؤلاء الاشخاص عقائديا وسلوكيا، والتغييرات الرئيسة التي تحصل في الجوانب المعنوية للروابط والعلاقات السائدة في تلك الامم، حيث يترتب على هذه التغييرات العقائدية والسلوكية التغييرات الاجتماعية.
عن المركز الاسترتيجي للدراسات الاسلامية التحديد المفاهيمي لمصطلحيّ الأمّة والمُواطَنة للسيد صادق عباس الموسوي: رغم إستعمَال مفردة الأُمَّـة في مصطلح الدولة لم يرسخ هذا المفهوم على المستوى الشعبيّ، وإذا ما ظهر وتجلّى في بعض المناطق والأمصار فهو يبقى خافتاً في أمصارٍ أخرى، فاستعمَالُه الخجولُ في مصر أكثر من تداوله النادر في لبنان. وتعقيباً على ما بدأنا به، فالاستعمَال الأغلب له هو في المجال القانونيّ البحت، الذي تمَّ استيرادُه عن الخارج بمفاهيمه ومصطلحاته وتشريعاته. فنرى استعمَالاً جليّاً وإتِّحاداً واضحاً بين الأُمَّـة والدولة في القوانين الدستوريّة، فالبرلمان هو تارة مجلس الشعب وأُخرى مجلس النواب ـ لكنَّ النائبَ هو مُمَثِّلُ الأُمَّـة مع أنَّ الأُمَّـة هنا هي الدولة والشعب هم المواطنون الذي يحملون الجنسيَّة ـ وثالثة مجلس الأُمَّـة ليظهر جليّاً بأنه مجلس لأبناء الدولة ذات الحدود المُعتَرف بها في مجلس الأمن الدولي، فبدلاً من مجلس النواب لدولة الكويت يصبح مجلس الأُمَّـة الكويتية فيتمخَّض عنه أنَّ الكويت أصبحت أُمَّة. كما يظهر ذلك في الجوانب الدستوريَّة الأخرى فدستورُ الدولة دستورٌ للأُمَّة ومحكمتها محكمةُ الأُمَّـة وكذا قضاتها ومدَّعُوها العامُّون وساستُها وأحزابُها. وقد أثّر هذا الإستعمَال رفضاً عند بعض المفّكرين، خاصةً الإسلاميُّون الذين يُظلِّلون مفهوم الأُمَّـة ببعده الدّيني إلى حدٍّ جعل (عبدالله العلايلي) (1997م) يفترض صراعاً بين الأُمَّـة والدولة ونزاعاً تاريخيّاً قديماً، فالأُمَّـة والدولة كائنان مُتمايزان ينفصلان أحياناً ويندمجان أخرى، وما كانت الأحاديث الانقلابيّة الخطيرة في التاريخ إلاّ صراعاً بين هذين الكائنين رغبةً من الكائن الطبيعي (الأُمَّـة) بالاندماج الإيجابي والكائن الصناعي (الدولة) بالاندماج السلبي. يجبُ الإشارة ـ بعد استعراض إِستُعمِلات مفهوم الأُمَّـة ـ إلى أنَّ هذا التقسيم الرباعيّ لمداليل هذا الدال ليست حصراً عليها. فإضافة إلى إستعمَاله في الأرض والدين واللغة والوطن نجد تعبيرات أخرى.