الكاتب : من ذاكرة عبد الاله الفهد
(عوده )..من مخابيل مدينة الثورة الوادعين ..وما أكثرهم .كان ابان فترة السبعينيات يقف في مكانه الاثير :راس التبليط بين قطاعي41 و25 ..يمر به اي أحد :شاب .امرأة .شيخ .عجوز ..اي احد فيحرك جسمه مراوحا في مكانه ويميل برأسه وهو يترنم بإيقاع مثل ايقاع( الهوسه) لكن بصوت متعب مكدود :ها..ها.. ها ،هاحاله اديني حمسه ..(هاخاله اطيني خمسه) -يقصد خمسة فلوس- !
وماأن تنفحه مايريد حتى يبتسم كالطفل كاشفا عن اسنان مهدمة ويحرك رأسه ثم يلج كفه بجيب دشداشته الورچ .
ويخطر ببالك ان لاتعطه لسبب ما وتبتعد قليلا فيتبعك وهو مادا كفه اليمنى ومائلا برأسه :هاحاله اديني حمسه ..الى ان يرى غيرك فيتركك وهكذا ..
دشداشة رصاصية اللون ذابلة ،وكوفية بيضاء بالكاد تميز لونها اتذكر انها ترابية داخنة اوماأشبه
رماها على ام رأسه ورقبته كيفما اتفق فبدا رأسه الحليق نمره صفر .
مررت بذلك المكان مطلع الثمانينات اثناء احدى اجازاتي الدورية من جبهة الشيب والطيب فلاحظته ..لكن هذه المرة : بحركة متثاقلة وبصوت خافت خافت لايكاد يسمع ..جربت ان ابتعد فلم يتبعني ..عدت اليه ونفحته مائة فلس ..لاحظته : لم يبتسم كالطفل هذه المرة ولم يومئ برأسه .انما وضع يده في جيبه الورچ وحسب . مررت عليه في اجازتي الثانية ..وجدته ..لكنه كان يمد كفه بصمت وبذات الثياب والرأس الحليق .وفي ثالث اجازة لم اجده ..لم اجده تماما ..ادرت وجهي حولي ..بدا لي راس التبليط موحشا ..موحشا وبعيدا .
فوقفت وبسطت كفا باتجاه الطريق وكفا اخرى قبضتها وافردت منها سبابتي ورفعتها نحو السماء وكدت ان اصيح (اهوس) وبكل اتجاه وعلى طريقة المهاويل : ها ..ها..ها..ها حاله اديني حمسه ..!!
الا اني تداركت الامر وحثثت الخطى مبتعدا صامتا محدقا بحجارة الطريق .