رجل مات… وأحياه الله

الشيخ عز الدين محمد البغدادي

في مثل هذا اليوم 18 شباط 2005 الموافق ليوم تاسوعاء من محرم 1426 هـ، كنت منكبا منشغلا بكتابة مسودات كتاب “بيت العنكبوت نظرية عدالة الصحابة بين الاثبات والثبوت” الساعة قاربت الثانية عشر ظهرا، قمت بسرعة وارتديت ملابسي وتهيئت للخروج إلى صلاة الجمعة، وكان قلبي يحدثني أن أمرا ما سيحدث، أن أمرا كبيرا ينتظرني، بصدق أقول لكم: كانت عندي جبة شتوية قماشها ثقيل لبستها وأنا أقول في نفسي: إذا حدث تفجير ربما تخفف عني من الشظايا، ثم سخرت في نفسي من نفس وقلت: وهل يصد القماش شظايا النار والحديد؟ كان والدي (رحمه الله) على سجادته يتهيأ للصلاة، ودعته فقال لي: اين تذهب؟ قلت له: أذهب للصلاة، بدا من وجهه أنه لم يكن راغبا بخروجي لكنه لم يعترض واكتفى بالقول “اقرأ الفاتحة وآية الكرسي” قلت له: إن شاء الله أفعل.

وضعت مسدسي في جيبي، وخرجت، أشرت الى سيارة الأجرة، وطلبت منه أن ينطلق الى جامع الكاظمين حيث تقام الجمعة، وصلت والخطيب قد بدأ توا بالخطبة. كان هناك عدد من الشباب يقومون بحماية المكان، لم يكن تنظيمهم جيدا، اردت ان أقول لهم: بأن اجراءاتهم ليست نظامية، لكني فضلت ان اترك هذا بعد الصلاة بسبب تأخري. دخلت من الباب الرئيس نحو الحرم، وفي المسافة الفاصلة بين بابي المسجد والحرم حدث ما كنت اتوقعه، عصف رفعني الى الاعلى ثم سقطت على وجهي، عمامتي ذهبت بعيدا عني… انفجار، كبير.

اول ما نظرت الى يميني رأيت شابا صغيرا قد تمزقت بطنه وخرجت أحشاؤه، اول ما خطر لي وأنا أراه أن أتأكد من أن بطني ليست ممزقة مثلة، استدرت وانا على الأرض فشعرت بان عظام الفخذ الايسر تتحرك فعلمت ان هناك كسرا، نظرت فإذا الجثث حولي ولم ينج من الموت إلا أنا ورجل كان أمامي حميته كما حماني من كان خلفي.

اول ما خطر لي في نفسي وأول ما حدثت بي نفسي ان قلت: لن اموت، انا اعتقد بأني لن اموت من هذه، لن اموت واعتقد ان هذه درجة وكرامة من الله (هكذا فهمتها) ولأني أمي ستجن لو وصلها الخبر، ولن أموت لأن كتاب “بيت العنكبوت” لم ينته بعد. كلام النفس ليس منطقيا بالضرورة والا كيف تصورت ان الجبة الشتائية ستحميني من الموت؟!

17 شهيدا، احدهم توفي في مستشفى اليرموك، نقلت الى المستشفى وهناك جمدت رجلي اليمني بل تحولت الى قالب ثلج، كما لم اعد قادرا على تحريكها، نقلت الى مستشفى الكاظمية تم تشخيص حالتي على أن هناك قطعا في الشريان الذي يغذي الساق اليمنى، كان الطبيب الخفر المقيم د. أحمد عبودي، وهو انسان بسيط جدا قصير القامة نحيف تقريبا، طلب بادخالي الى صالة العمليات واخبر اهلي بأنه سيقوم ببتر الساق اليمنى لأنها الان ماتت فقد مضى على التفجير ما يقارب 8 ساعات، ولم يتكف بذلك بل قال لأخي: العملية ليست سهلة وعليك ان لا تستبعد أسوأ الاحتمالات بسبب النزيف.

دخلت صالة العمليات، وكان هناك عدد كبير من الاهل والجيران والاصدقاء وكلهم كانوا يتوقعون ان أخرج بغير ساق، لكن كان هناك لطف الله ومشيئته مهارة هذا الطبيب الشاب التي تمكن من ربط الشريان.. بعد ذلك اجريت سلسلة من العمليات للكسر في رجلي اليسر وعمليان لاخراج شضايا من البطن، ومن الظهر واليدين والرجلين، الاصابات في كل جسدي، لم يكن احد يتوقع ان أخرج حيا، حتى بعد اكمال العمليات كان وضعي خطيرا جدا، لدرجة أن احد المشايخ زارني في المستشفى وعندما ذهب الى النجف سأله بعض الاخوة عن حالي، فأجابه: ادعو له ان يموت ليستريح

تذكرت د. بشار عند رآني أمشي في المستشفى فصعق، وقال: معقولة؟ أنت تمشي؟ ود. حيدر مخلف جراح الاعصاب الذي تفاجأ عندما زرته للعلاج وتحدث مع زائر كان عنده عن الاصابة التي لم يتوقع ان اخرج منها سالما، ثم الطبيب السوري جراح الاعصاب د. حسام تلاوي الذي أعرب عن اعجابه بعمل الطبيب العراقي وقال: اطباؤكم ممتازون فحسب قانون الطب حالتك تستحق البتر حتما، ثم قال لي: استطيع ان اقول أنك رجل مات وأحياه الله

اتذكر عندما اخذت لي صورة شعاعية لصدري ولأني كنت البس الجبة فقد ظهرت صورة المسدس الذي كان في الجيب ولم ينفعني حمله، ونفعني لطف الله، وكما قال الشاعر:

واذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان

أحيانا يحذرني بعض الاحبة فاقول لهم: لقد كتبت “النجاة من دجل الغلاة” “وفصل المقال في وظيفة علم الرجال” و”مغالطة الالحاد” و”بيت العنكبوت” و”تنقية العبادة” و”فلسفة الموت” و”وظيفة الرعية” و “تأليف الأمة” الانصاف في حقوق الاشراف” و”في نقد الاسلام السياسي” و”تعريف البدعة” و”كشف الموهوم” و”نقد نظرية التقليد” و “وظيفة المجتهد” و”نظرية الامامة” و,”الذريعة إلى نهضة الشيعة” وغيرها وصارت واقعا وفكرا موجودا يبقى ان شاء الله وينفع وانا على ثقة بأن غدا افضل ينتظرنا في العراق ووعيا افضل كشيعة.. والله المستعان.

رحم الله شهداء العراق..

عز الدين البغدادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *