فاضل حسن شريف
على قارئ القرآن عليه أن يتبع ما جاء فيه من حكم ومواعظ وأخلاق التي عليه أن يعكسها في حياته وخاصة أيام العيد بعد العبادة في شهر رمضان شهر القرآن أو خلال العشر الأوائل من شهر ذي الحجة التي يكثر فيها الدعاء وتلاوة القرآن. جاء في معاني القرآن الكريم: قرأ قرأت المرأة: رأت الدم، واقرأت: صارت ذات قرء، وقرأت الجارية: استبرأتها بالقرء. والقرء في الحقيقة: اسم للدخول في الحيض عن طهر. ولما كان اسما جامعا للأمرين الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد منهما، لأن كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما لأن كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة: للخوان وللطعام، ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به. وليس القرء اسما للطهر مجردا، ولا للحيض مجردا بدلالة أن الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال لها: ذات قرء. وكذا الحائض التي استمر بها الدم والنفساء لا يقال لها ذلك. و قَرأَ الكتاب قِراءَةً قُرُءانا بالضم و قَرَأَ لا شيء قُرْاانا بالضم أيضا جمعه وضمه ومنه سمي القرآن لأنه يجمع السور ويضمها وقوله تعالى “إن علينا جمعه وقراءته” (القيامة 17) أي قراءته، والقراءة: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، (وليس يقال ذلك لكل جمع) (ما بين ( ) ذكره الزركشي في البرهان 1/277، وتعقبه فقال: لعل مراده بذلك في العرف والاستعمال لا في أصل اللغة). لا يقال: قرأت القوم: إذا جمعتهم، ويدل على ذلك أنه لا يقال للحرف الواحد إذا تفوه به قراءة، والقرآن في الأصل مصدر، نحو: كفران ورجحان. قال تعالى: “إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه” (القيامة 17-18) قال ابن عباس: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به، وقد خص بالكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فصار له كالعلم كما أن التوراة لما أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى صلى الله عليهما وسلم. قال بعض العلماء: (تسمية هذا الكتاب قرآنا من بين كتب الله لكونه جامعا لثمرة كتبه) بل لجمعه ثمرة جميع العلوم، كما أشار تعالى إليه بقوله: “وتفصيل كل شيء” (يوسف 111)، وقوله: “تبيانا لكل شيء” (النحل 89)، “قرآنا عربيا غير ذي عوج” (الزمر 28)، “وقرآنا فرقناه لتقرأه” (الإسراء 106)، “في هذا القرآن” (الروم 58)، “وقرآن الفجر” (الإسراء 78) أي: قراءته، “لقرآن كريم” (الواقعة 77) وأقرأت فلانا كذا. قال: “سنقرئك فلا تنسى” (الأعلى 6)، وتقرأت: تفهمت، وقارأته: دارسته.
وخلال العيد على المؤمن بل المسلم أن يبعد الشكوك التي تحيط به عن أقربائه وأصدقائه ويتصافى معهم في فرصة لا تعاد إلا في فترات قليلة منها الأعياد. جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله سبحانه “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا” ﴿الإسراء 82﴾ والقرآن الكريم يزيل بحججه القاطعة وبراهينه الساطعة أنواع الشكوك والشبهات المعترضة في طريق العقائد الحقة والمعارف الحقيقية ويدفع بمواعظه الشافية وما فيه من القصص والعبر والأمثال والوعد والوعيد والإنذار والتبشير والأحكام والشرائع عاهات الأفئدة وآفاتها فالقرآن شفاء للمؤمنين. وأما كونه رحمة للمؤمنين والرحمة إفاضة ما يتم به النقص ويرتفع به الحاجة – فلأن القرآن ينور القلوب بنور العلم واليقين بعد ما يزيل عنها ظلمات الجهل والعمى والشك والريب ويحليها بالملكات الفاضلة والحالات الشريفة الزاكية بعد ما يغسل عنها أوساخ الهيئات الردية والصفات الخسيسة. فهو بما أنه شفاء يزيل عنها أنواع الأمراض والأدواء، وبما أنه رحمة يعيد إليها ما افتقدته من الصحة والاستقامة الأصلية الفطرية فهو بكونه شفاء يطهر المحل من الموانع المضادة للسعادة ويهيئها لقبولها، وبكونه رحمة يلبسه لباس السعادة وينعم عليه بنعمة الاستقامة. فالقرآن شفاء ورحمة للقلوب المريضة كما أنه هدى ورحمة للنفوس غير الأمنة من الضلال، وبذلك يظهر النكتة في ترتب الرحمة على الشفاء في قوله:” مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ” فهو كقوله: “هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”: (يوسف 111) وقوله:”ومغفرة ورحمة”: (النساء 96). فمعنى قوله:” وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ” وننزل إليك أمرا يشفي أمراض القلوب ويزيلها ويعيد إليها حالة الصحة والاستقامة فتتمتع من نعمة السعادة والكرامة.
أفضل أيام السنة هي أيام الأعياد التي فيها يتراحم الأقرباء والأصدقاء بل الناس مع بعضهم البعض كما أكد القرآن الكريم على ذلك الذي بحد ذاته رحمة نزلت على البشرية. جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله سبحانه “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا” ﴿الإسراء 82﴾ القرآن رحمة لمن طلب الرحمة، وأرادها لنفسه، وشفاء من الكفر والإلحاد، ومن الجهل والفساد، ومن كل رذيلة لمن أخلص للَّه والحق. قال الإمام علي عليه السلام في وصف القرآن: انه الحبل المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والري الناقع، والعصمة للمتمسك، والنجاة للمتعلق. ومن خالف حكما من احكام القرآن فما هو منه في شيء بل هو من الظالمين الخاسرين “ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارا” ﴿الإسراء 82﴾. القرآن رحمة للمؤمنين، ونقمة على الظالمين والمفسدين لأنهم كلما عصوا حكما من أحكامه ازدادوا إثما وعذابا.
كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأئمة عليهم السلام يكثروا من ذكر الله وتلاوة القرآن الذي هو شفاء ورحمة. جاء عن مركز الاشعاع الاسلامي للدراسات والبحوث عن كيف كان ائمة اهل البيت عليهم السلام في ليلة عيد الفطر؟ للشيخ صالح الكرباسي: ليلة العيد و يومه من الأوقات المميزة التي كان النبي المصطفى صلى الله عليه و آله و كذلك أهل بيته الطاهرون يهتمون بهما إهتماماً كبيراً و يدعون الناس لإغتنامهما بالعبادة و الذكر و الدعاء و الاعمال الصالحة. قَالَ رسول الله صلى الله عليه و آله: “إِنَّ لِلَّهِ خِيَاراً مِنْ كُلِ مَا خَلَقَهُ، فَأَمَّا خِيَارُهُ مِنَ اللَّيَالِي فَلَيَالِي الْجُمَعِ، وَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَ لَيْلَتَا الْعِيدَيْنِ”. احياء ليلة العيد بالعبادة: رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنَّهُ قال: “مَن أحیا لَیلةَ العِیدِ و لَیلةَ النِّصفِ مِن شَعبانَ، لَم یَمُتْ قَلبُهُ یَومَ تَموتُ القُلوبُ”. و رَوى الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام أنهُ كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام يَقُولُ: “يُعْجِبُنِي أَنْ يُفَرِّغَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي السَّنَةِ أَرْبَعَ لَيَالٍ: لَيْلَةَ الْفِطْرِ، وَ لَيْلَةَ الْأَضْحَى، وَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ”. و روى السَّيِّدُ عَلِيُّ بْنُ طَاوُسٍ فِي كِتَابِ عَمَلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام كَانَ يُصَلِّي لَيْلَةَ الْفِطْرِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَ نَافِلَتِهَا رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ مِائَةَ مَرَّةٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَ فِي الثَّانِيَةِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مَرَّةً، ثُمَّ يَقْنُتُ وَ يَرْكَعُ وَ يَسْجُدُ وَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَخِرُّ لِلَّهِ سَاجِداً وَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِائَةَ مَرَّةٍ. ثُمَّ يَقُولُ: “وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَفْعَلُهَا أَحَدٌ فَيَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ، وَ لَوْ أَتَى مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلَ رَمْلِ عَالِجٍ”. وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أنَّهُ قَالَ: “كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام لَا يَنَامُ ثَلَاثَ لَيَالٍ: لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، وَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَ فِيهَا تُقَسَّمُ الْأَرْزَاقُ وَ الْآجَالُ وَ مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ”. و عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، عن أبيه الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام: “كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يُحْيِي لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ بِصَلَاةٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَ يَبِيتُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَ يَقُولُ يَا بُنَيَّ مَا هِيَ بِدُونِ لَيْلَةٍ، يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ”. و رُوِيَ عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنَّهُ قَالَ: “أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه و آله فِي لَيْلَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّهُ لَيْلَةٌ يُوَفَّى فِيهَا الْأَجِيرُ أَجْرَهُ”.
وعن ازالة قساوة القلب وشفائه الروحي على المؤمن عليه ان يستفاد من الصيام والحج والزيارة في تطبيب قلبه حيث تظهر عليه خلال الأعياد من خلال المسامحة والعفو عن الآخرين. يقول الشيخ حبيب الكاظمي في موقع السراج: قوله عز وعلا “قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ” (المائدة 115) يالهُ من تكليف أي أيها الحواريون، أنتم كانَ لكم إيمان قبلَ نزول المائدة، ولكن بعدَ نزولها الحُجّة تَمّت، لقد كُنتم تأكلون من أسماك البَحر، أما الآن فإنها تنزل من السماء، لذا إن كفرتم بهذه النعمة، سيكون هناك عذاب خاص بكم ولكن هذا التهديد لم يَكُن حَصراً على الحواريين، بل يشمل كل إنسان نزلت عليه مائدة سماوية، فمثلاً: 1. من شملتهُ النفحات الإلهيّة في شهرِ رمضان المُبارك، وأحيا ليلة القَدر إحياءً مُناسباً، ورَقَ قلبه، وجرت دمعته، وأحسَ بجوٍ خاص، فهذهِ مائدة سماوية نزلت عليه. 2. من يذهب إلى العُمرةِ والحَجِ، ويعيش في الطواف مشاعر لا توصف، هذهِ مائدة نَزلت عليه. 3. من يذهب إلى زيارة الحُسين عليه السلام، ويعيش تحتَ القُبّة الساميّة بعض المشاعر العالية، هذه مائدةٌ سماوية نزلت عليه. فإذن، لنحذَر المعصية بَعدَ مواسم الطاعة، فالإنسان الذي عمل شَهراً كاملاً: قامَ ليلاً، وصامَ نهاراً، وتلا كتابَ رَبه، ومرت عليهِ ليالي القَدر ببركاتها المعهودة، وبَعدَ الشَهر الكريم في أولِ يَوم من أيام العِيد وقعَ في هفوة قوليّة أو نظريّة ولو الصغيرة، آلا يُعدُ هذا من باب الكُفران بالنعمة الإلهيّة، بنعمة المائدة؟ ولهذا البعض في شهرِ شوال يرى قساوةً في قلبه، فالبَعض في يوم العيد يرتكب ما لم يَكُن يرتكبه قَبلِ شهرِ رمضان المُبارك، وخاصةً بعض النساء حيث يظهرنَ بمظهرٍ لا يليق بمن صامت شهر رمضان المبارك. علينا أن نحذر كُفران النِعم الباطنية والمعنويّة، فرب العالمين هدد الحواريين بأنَّ الكُفران بَعدَ نزول المائدة فيهِ عذابٌ عَظيم.