جديد

الانتخابات العراقية: بين المال السياسي وبيع الأوهام..!

نزار الحبيب

في كل موسم انتخابي في العراق، تتكرر ذات المشاهد التي باتت مألوفة للمراقبين والمواطنين على حد سواء. الأسواق السياسية تعج بالمتسوقين، لكن السلع المعروضة ليست إلا أصوات الناخبين وكرامتهم، في مشهد أشبه بمزاد علني يتنافس فيه المرشحون بأموالهم لا بأفكارهم أو برامجهم.

المال السياسي، هذه الظاهرة التي باتت حجر الأساس لأي حملة انتخابية، لا تُمارس خلف الأبواب المغلقة فحسب، بل أصبحت جزءًا من الثقافة الانتخابية التي تنخر في أساس الديمقراطية العراقية. المرشحون يقدمون الوعود ويوزعون الأموال تحت شعارات الوطنية والعدالة الاجتماعية، لكن ما أن تُفتح صناديق الاقتراع وتُغلق، حتى تختفي هذه الشعارات ويتبدد المال في أيدي المتنفذين، بينما يبقى الناخب محاصرًا في معاناته اليومية.

العراق، هذا البلد الغني بموارده الطبيعية والتاريخية، يعاني من فقر مدقع وفساد مستشرٍ جعل الانتخابات مسرحًا للتلاعب والطمع. وبدلاً من أن تكون صناديق الاقتراع فرصة للتغيير، أصبحت أداة لإعادة إنتاج ذات الوجوه وذات السياسات التي أفرزت الفشل. إن شراء الأصوات لا يعبر فقط عن فساد المنظومة السياسية، بل يُبرز أيضًا أزمة القيم المجتمعية التي تدفع بعض الناخبين إلى بيع أصواتهم مقابل بضعة دنانير أو وعود زائفة.

“واحد بغداد”، شعار الوحدة والهوية المشتركة، يتحول في ظل هذا الواقع إلى مجرد خطاب فارغ. بغداد التي كانت تاريخيًا منارة للفكر والحضارة، أصبحت الآن مرآة تعكس صراعات المصالح الضيقة والممارسات السياسية المشوهة. يبدو وكأنها تردد صدى شخصية “أبو غالب” من المسلسل السوري الشهير “باب الحارة”، الذي لا يتردد في بيع بضاعته الرديئة على أنها الأفضل، تمامًا كما يفعل بعض السياسيين في بيع الأوهام على أنها برامج للإصلاح.

لكن هل من أمل؟ ربما، إن تضافرت الجهود بين النخب المثقفة والشباب الواعي الذي لم يتلوث بالمال السياسي. إن بناء عراق جديد يتطلب إرادة جماعية لكسر هذه الدائرة المفرغة من الفساد والاستغلال. الانتخابات ليست نهاية الطريق، بل بداية لمعركة أطول وأكثر تعقيدًا لاسترداد الوطن من أيدي من جعلوا منه ساحة للبيع والشراء.

الطريق طويل، لكن العراق وأهله يستحقون الأفضل. وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من التجارب السابقة، فهو أن التغيير لا يأتي من الأعلى، بل ينبع من القاعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *