جديد

قصر عبد الزهرة

الكاتب : محمد حسن جبر
—————————————

لم يكن كما قد يتبادر إلى الأذهان، لا قصرًا ضخمًا بواجهاته البراقة، ولا مشيّدًا بالمرمر والرخام، ولا يزهو بزخارفه.. كان بيتًا صغيرًا، محدود المساحة، قليل الغرف، لكنه أوسع من مدنٍ بأكملها بقلب صاحبه الكبير.. عبد الزهرة، ابن العمارة التي أرضعت أبناءها الكرم، ورث عن أبيه طيبة النفس، وعن أمه رحابة الصدر، فصار بيته ملاذًا ومأوى لأهله ومحبيه، ممن يفدون من الجنوب البعيد، قاصدين العاصمة المزدحمة بمصالحها، أو زائرين للأضرحة، أو باحثين عن شفاء في مستشفياتها.

في أطراف بغداد الشمالية، في حي القاهرة الناشئ حينذاك، والذي كان حتى عهد قريب حقولًا للخس والخضراوات، امتلك عبد الزهرة بيتًا صغيرًا شُيد على نصف قطعة أرض. عمله المتواضع في معمل السجائر بالكاد يغطي احتياجاته وأسرته الكبيرة، المكونة من أمه العجوز وزوجته وأطفاله، ورغم ذلك، فتح أبواب منزله لكل قريب أو صديق، مضيفًا إياهم بروح لم تعرف الشح أو التذمر.
لم تكن ضيافة عبد الزهرة ليومٍ أو يومين، بل أحيانًا تمتد لشهور وسنوات، يستقبل فيها أقاربه القادمين من الجنوب، وبالذات من مدينة البصرة، أولئك الذين أثقلتهم مراجعات دوائر الدولة، أو شقاء خدمة العلم، أو عناء السفر للطبابة.
في بيته الصغير يجتمع التعب والسكون، والشكوى والفرج، وتُسمع أصوات الأطفال المندهشين بزحمة العاصمة، تعلوها ضحكات عبد الزهرة التي تنثر البهجة، وكأنما يُريد أن يقول لهم:
-ما ضاقت الأرضُ على أهلها، فكيف تضيق قلوبُنا؟
عبد الزهرة كان عنوانًا للكرم الحاتمي.. لا يطأ أحد عتبة بيته إلّا واستُقبل بوجه بشوش وكلمات تذيب الهموم، وكأن هذا الشاب البسيط يحمل في قلبه سرًا من أسرار النخيل، ينحني ثمرًا دون أن يشكو الثقل.
لم يكن عبد الزهرة مجرد مضيف لأهله وأقاربه، بل حكاية تُروى عن الوفاء للعائلة والعشيرة، عن الشرف الذي يعانق التراب في شوارع بغداد، وعن الكبرياء الذي لا يُقاس بالمادة بل بكرم الروح.. كانت كفّاه ممتلئتين دومًا بالخير، كأنما يعيد صياغة قول الآباء:
-من يكن للناس عونًا، يكن لله حبيبًا.

في الليالي الباردة، حين تتجمع العائلة حول صحنٍ بسيط من الطعام، يتحدث الأقارب عن رحلاتهم، وعن أحلامهم وآمالهم التي أثقلت قلوبهم، ينصت عبد الزهرة بعينين وديعتين تحملان حنو الأبوة وحكمة الريف، ثم يبتسم ويتكلم معهم بكلمات تخرج صادقة من أعماقه، تخفف عنهم عناء الطريق وتملأ المكان بدفء إنساني لا يُشترى ولا يُباع.
بات بيته الصغير محجًا لمن تقطعت بهم السبل، كثيرًا ما ترى أقربائه يأتون محملين بأثقال الحياة، ليجدوا في بيته لا مجرد سقف يأويهم، بل روحًا تمنحهم طمأنينة وكرامة، حتى بات اسمه يُذكر بحب في مجالس عشيرته الممتدة من الجنوب إلى بغداد.
بيت عبد الزهرة لم يكن مبنى من جص وطابوق، بل صرحًا من كرم وشهامة يروي قصة رجل آمن أن الكرم ليس بالمال، بل باليد التي تُعطي دون تردد، وبالقلب الذي يسع الجميع.. ليبقى اسمه محفورًا في الذاكرة، كالشجرة الوارفة التي يستظل بها كل عابر سبيل..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *