محمد ابو النواعير
في مقال مختزل، مقتبس من دراسة للسيد عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء العراقي السابق، كان لنا معها وقفة ورد مختصر، بينا فيها مكامن الخطأ والضعف في تفكير اغلب القوى المؤثرة في قيادة الاقليم الشيعي في العراق.
مقالة السيد عادل على هذا الرابط:
ورددنا على مقاله بالتالي:
عندما أُرسِلَ الي المقال من قبل احد السادة اصحاب السماحة، قرأت مقال عبد المهدي بتمعن، واعدت قرائته اكثر من مرة.
قد تكون فكرة المقال ومنهجه قائمة على تخصص عبد المهدي في قضايا الاقتصاد وتوابعه التي تسعى لبناء بنى تحتية اقتصادية، وهو امر مهم جدا، بل يكاد يكون هو الاهم والاخطر في بناء ومنعة وقوة الدول المعاصرة.
ولكن، لأتحدث في مجال اختصاصي.!
اهم وحدة بناء صغيرة في بنية الدولة المعاصرة، هي الانسان، الفرد، فهو المعوَّل الذي من خلاله تستطيع التأسيس لنهضة، اقتصادية وسياسية وامنية، بل وحتى دينية، وهو الوحيد الذي فشلت الدولة الشيعية العراقية اليوم في بناءه والتأسيس له بطرق صحيحة، ( في حدود الاقليم الشيعي على الاقل). !
لذا، نرى ان السيد عادل وامثاله ممن يتكئ على نجاح الدولة الشيعية العراقية في هذه المشاريع الشكلية، بينما بناء المواطن، في انحدار وتهدم مستمر بشكل فضيع لا يوصف، (والمواطن هنا يعني الاب والموظف والشرطي والطالب والطبيب والتاجر والكاسب والام والسياسي والمقاول والصيدلاني ووو، الخ) وهذا التهدم يشي بنتيجة واحدة، ان التجربة الشيعية، باءت بفشل فضيع، لتهدم الاسس المقومة لها، الا وهي بناء الانسان، الانسان بشكله الذي يكون كمادة اساسية وجوهرية في نهضة الامم، فهي تحربة قد فشلت في بناء الانسان. !
طبعا ما اتحدث عنه، مبني على رصد وتشخيص الاف، بل عشرات الالاف من السلوكيات والاخلاقيات والمواقف، التي تشكل في جوهرها التاريخي (المجتمعي)، بنية وعي مجتمعي وقناعات عرفية راسخة، والتي تمثل اليوم، الفعل الاجتماعي اليومي المعاش، والذي يمثل اصغر وحدة سلوك فاعلة في تشكيل الفعل الاجتماعي العام، والذي نجده منتشرا في كل مفاصل الدولة والمؤسسات الاجتماعية والحكومية والخدمية بل وحتى التطوعية، والتي بمجملها تشكل عادات وتقاليد واعراف وانفعالات ومبادئ واخلاقيات مجتمعية، لا يمكن لها ان تسمح ببناء انسان، نستطيع من خلاله بناء دولة قوية. !
هذه الصفات والاخلاقيات هي هي التي يعاني منها اصحاب الدين والسماحة حفظهم الله في هذا المجتمع، وهي هي التي يعاني منها الموظف النزيه عند اصطدامه بوحشية وانحراف المجتمع، وهي هي نفسها التي تمنع رجل الامن من اداء واجبه بشكل صحيح، وتمنع اي مهندس من ان يؤدي مشاريعه بشكل متقن وصحيح، وتمنع اي مجد ومثابر من مواجهة صاحب الواسطة والحظوة، وتمنع المواطن من الحصول على حقوقه ورد الظلم عنه من خلال منظومة القضاء فيضطر للجوء الى الحكم العشائري، بل وتمنع كل منهجيات النجاح والعبقرية التي تعارف وتعاهد منطق العقل البشر على تفضيلها وتقديمها.
لذا، كانت هذه المناهج الاجتماعية (العرفية= الانفعالية)، هي الاساس الذي يسيّر ايقاع الحياة في دولتنا الشيعية العتيدة، والتي كانت من نتائجها سيطرة السطحيين، وانصاف المتعلمين، والمسولفجية، وتمكن وسيطرة الفنانين والعباقرة في السرقة والاجرام والابتزاز، على مقدرات البلاد والعباد، وذاك قاد الى اخطر النتائج واكثرها تدميرا للمجتمع، الا وهو انحراف منظومة مفاهيم وتعريفات عديدة، والتي تشكل الوعي الاخلاقي والمجتمعي المعاش، منها تغير مفاهيم الشرف والالتزام والنزاهة والقدرة، وسيطرة مفاهيم فاسدة مشوهة لمعاني ومفاهيم التمكن والقدرة والشجاعة والمقبولية الاجتماعية، حتى بات الكثير ممن هم ابناء بغايا (أجلّكم الله)، باتو من اهل الحظوة والمكانة والتمكن لدى شرفاء المجتمع وعقلائه فضلا عن عوامه وتوافهه.!
بناء الدولة لا يقوم فقط على هذه النتوف والقشور التي ذكرها السيد عادل والتي تتبجح بها شلة الحكم الشيعي دوما، فهي قضايا ونجاحات سطحية ، ظاهرية، قشرية، تزول بسرعة وسهولة عند اي هزة او فوضى او مشكلة، لأن رصانة فلسفة الحكم عندنا بائسة، لا يمكن لها ان تبني مجتمع- دولة، يمكن من خلاله بناء امة -دولة، ويمكن لها ان تتطور وتسير بمساراتها الموضوعية والعلمية والاحترافية الصحيحة.
اللهم إنا نسألك دولة كريمة، تعز بها الاسلام واهله، وتذل بها النفاق واهله.
د. محمد ابو النواعير.