حسين شكران الأكوش العقيلي
في كل مرة تُذكر بغداد، تنبعث من الحروف أنفاس حضارةٍ تتجاوز المكان والزمان. بغداد ليست بقعةً جغرافية؛ إنها فكرةٌ عصيةٌ على التهميش، ورمزٌ متجددٌ في ذاكرة الأمة. وعلى الرغم من الجراح الكثيرة، لا تزال تنبض بإمكانية النهوض إن توفرت الإرادة، وانبعث الوعي من ركام التناسي.
بين أنقاض التحديات
– الهوية الممزقة: المدينة التي جمعت في كنفها الفقهاء والشعراء، المسيحيين والمسلمين، العرب والكرد، باتت تعاني شرخًا في نسيجها الاجتماعي. ليس لأن التعدد عيبٌ، بل لأن من يعبثون به أغفلوا لغة الوحدة وفضّلوا تسويق الفتنة.
– بنية مُنهكة، لا تحتمل المستقبل: الطرقات المتكسرة ليست مجرد حجارة مرمية، بل شهادة على عجز الحكومات عن ترميم الكرامة قبل الأرصفة. والمياه التي لا تصل، والكهرباء التي تَخون، كلها علامات انهيار أخلاقي قبل أن تكون فنية.
– فسادٌ يقتات على الأمل: تتداخل فيه المناصب مع المكاسب، حتى صار المنصب منصّةً للمنفعه لا للخدمة. ولولا أن في الشعب من لا يلين، لأصبح اليأس هو القانون السائد.
الفُرَض التي لا تُشترى
– جيلٌ جديد يرفض الصمت: شباب بغداد لا يبحثون عن فتات المناصب، بل عن مشروع وطني يستعيد المعنى. إنهم لا يخافون من المواجهة، ولا يهابون التعبير، وقد تعلّموا كيف يحوّلون التغريدة إلى احتجاج، والصورة إلى وثيقة تاريخية.
– إرثٌ روحي وثقافي ما زال ينتظر التنقيب: بغداد ليست عاصمة عربية عادية؛ إنها منهلُ تاريخي، لو أُعيد استثماره برؤية ووعي، لتحولت الأضرحة إلى منارات تربوية، والمكتبات إلى مراكز صناعة وعي.
– الإعلام البديل بوصفه سلاحًا شعبيًا: من بين أنقاض القنوات الموجهة، خرجت أصواتٌ لا تقبل التزييف، تمسك الكاميرا كما تمسك القلم، وتفتح الأعين على ما كان يُراد له أن يُطمَس.
الرؤية: من رثاء المدينة إلى فرضها من جديد
بغداد لا تحتاج إلى من يبكيها، بل إلى من يُعيد تعريفها. أن تُحَدد ملامح مدينةٍ بهذا الحجم يعني أن نعيد بناء الإنسان، قبل الجدار. أن نكتب عن بغداد هو أن نوقظ السؤال: هل نحن أهلُها، أم مجرد عابرين في تاريخها؟
والفرض لا يعني الحُلم فقط، بل تصميم مشروعٍ يعيد للمدينة قَدَرَها. مشروعٌ أخلاقي، روحي، سياسي، وإنساني. ليس بالإنشاء البلاغي يُولد المستقبل، بل بربط البلاغة بالفعل، والسردية بالخطوة الأولى في طريق التجديد.