أساليب الكذب في الإعلام

عصام الصالح

لماذا يكذب بعض الاعلاميين والكتاب؟ هذا سؤال يؤرق الكثيرين.. وقد لا يعلم الناس، ولا اظن انني ابالغ ان اكثر الكذب في العالم هو في اجهزة الاعلام، خصوصا ‘الموجهة’ منها. والسؤال ايضا يطرح نفسه: كيف يكذب هؤلاء وما أساليبهم؟ولكي نجيب عن تلك الاسئلة يجب ان نتذكر ان الاعلام هو اخطر مهنة.. وهي بالطبع تصنع الرأي العام وتوجهه، لذلك ابتكر رجال السلطة اساليب اعلامية لتنفيذ مخططاتهم بالتعاون مع رجال الاعلام والصحافة. كانت الامم القديمة تدرك اهمية الاعلام، وكان الاغريق يتقنونها بحيث انهم كانوا يرسلون الاخبار الكاذبة للتشويش، ومن ثم يفعلون عكسها.. الرومان والفرس ايضا مارسوه في حروبهم وجاء ايضا العرب وكانت وسيلتهم الشعر الذي كان بمنزلة ‘وكالات انباء’، فيقول شاعر شيئا ويرد عليه آخر مثلما حصل في حرب العرب البسوس وداحس والغبراء وغيرها وتبادلات الشعر بين جرير والفرزدق.. وفي العصور الحديثة قام هتلر بانشاء ‘وزارة الدعاية’ وكان غويلز ‘الماكر’ يقوم بحملات اعلامية للترويج عن النازية، وكان صاحب مقولة ‘اكذب.. اكذب حتى يصدقك الناس’، امثال هؤلاء مارسوا فن التضليل الاعلامي لكي ‘يغيروا من الحقيقة التي لا يريدون للناس ان يعرفوها عن نقاط ضعفهم وسلبياتهم.. ولكي يروجوا عن انظمتهم او افكارهم او معتقداتهم او جماعتهم’!.ما هي الاساليب الاعلامية المتبعة في ذلك؟ ان همها هو ‘النفي المستمر’ للخبر ومن هنا نتذكر مقولة غوبلز السابقة، وايضا ‘تحوير الخبر’ كأن نحور كلمة او عبارة ونغيرها لكي تعطي معنى آخر.. ومثاله (الخبر الحقيقي): قام انتحاري بتفجير نفسه وسط سوق تجاري في احد احياء بغداد الفقيرة مما اسفر عن سقوط 32 قتيلا و50 جريحا.. ويكون (التحوير): قام انتحاري بتفجير نفسه وسط سوق تجاري في احد احياء بغداد الفقيرة ما اسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، والجدير بالذكر ان السوق يقع بالقرب من قاعدة اميركية؟ يهدف التحوير الى تحويل انتباه الخبر الى اتجاه اخر.. وكذلك من الاساليب الاعلامية التضليلية هو ‘التقليل من شأن الخبر أو تضخيمه’، ففي الخبر السابق يقلل من شأن الخبر عندما لا يذكر عدد القتلى ويكتفي بذكر: انه اسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى..؟! وتضخيم الخبر يكون بابراز عدد القتلى والجرحى مع وصفهم بالشهداء بدل القتلى ووضع الخبر في الصدارة! بالطبع هناك اساليب ماكرة تستهدف لغة ‘التوجيه الاعلامي’، فانا مثلا استطيع ان اعرف اتجاه اي قناة من مصطلحاتها.. وترتيب اولوية الاخبار لديها، ومن اساليب التضليل الاعلامي هو ‘التعتيم’ على الخبر كأن يبث جزء يسير عن الخبر ولا يذكر المحتوى والغرض الاساسي وهذا ما نشاهده من مقولة: قام الرئيس الفلاني بزيارة خاطفة للامير الفلاني وذلك للاطلاع على اخر المستجدات وتطوير العلاقات الاخوية؟! من يعرف دهاليز السياسة يعرف بأن الزيارات الخاطفة هي لأمور طارئة وليس لتطوير العلاقات الاخوية..!! واكاد اجزم ان الانظمة العربية تألقت بهذا النوع من التضليل الاعلامي..!

أحد اساليب التضليل الاعلامية الماكرة هو ربط الخبر بخبر اخر او الترابط السلبي negative association كأن يذكر الخبر: صرح قائد عسكري ايراني ان ايران ستقاوم اي هجمات محتملة اميركية وسترد عليها بعنف.. ويكون ‘الترابط السلبي’ بأن يتم ذكر: ‘يذكر ان العلاقات الايرانية الاميركية قد شهدت مواجهات عسكرية سابقة، قرب مضيق هرمز وحرب الناقلات ايام الحرب العراقية الايرانية؟ يهدف هذا النوع من الاخبار الى بث الذعر وربط حوادث سابقة لتكوين فكرة عامة جديدة!

عموما، هناك وسائل اعلامية عدة ومنها ‘تزييف الخبر’ و’التركيز السلبي’ ومثاله: اسفرت حرب حزب الله مع لبنان عن سقوط 1200 قتيل لبناني وآلاف الجرحى وتهجير مليون نازح وتدمير الكثير من مرافق البنية التحتية للبنان! يأتي الخبر مع عدم ذكر مستجدات ونتائج المواجهة العسكرية على الطرف الآخر التي هي اساسا خلاف سياسي يتم حلها بالطرق العسكرية، فمع تساقط آلاف الصواريخ على شمال اسرائيل واسقاط طائرات وتدمير عشرات الدبابات وتدمير بوارج اسرائيلية مع ما رافقها من اثار نفسية وعسكرية وسياسية في اسرائيل نجد ان التركيز يكون على خسائر لبنان وحده في مواجهة ‘حزب’ مع ‘دولة’ هزمت الجيوش العربية! ودون التطرق الى ما اذا كانت اسرائيل قد نفذت مخططاتها واهدافها المعلنة أو غير المعلنة!؟

الفبركة الاعلامية هي ايضا احدى عبقريات اعلامنا العربي.. فعادة نشاهد معارك وهمية في اروقة صحفها وكتابها، ومثال على ذلك يؤلف كاتب صحفي قصة أو خبرا ‘من رأسه’ عن حوار او مشاهدة أو خبر، كان يقول: جلست مع دبلوماسي في حفلة عشاء ‘مقامة على شرفي’ في عيد ميلادي الميمون وحضرته فنانات شرقيات وغربيات، وقال لي سرا وهمسا في اذني: ان الدولة الفلانية قد اشترت سلاحا نوويا من الصين بقيمة كذا؟!.. أو بالقول شاهدت ‘بأم عيني’ اثناء زيارتي ‘للدولة الفلانية’، في ربيع 1976 عضو استخبارات وهو يطلق النار على رأس مواطن فقير لانه انتقد غلاء سعر البطاطا في الشارع، مثل هذه الفبركة او ما نسميه بالعامية ‘التشليخ’ منتشرة بكثرة في صحافتنا العربية، ومنها ‘الكويتية’، التي تصل الى حد الاعاقة الفكرية! اما لماذا يكذب هؤلاء؟ فستكون لنا جولة قادمة، ان شاء الله.