حسن درباش العامري
النتائج النهائية للانتخابات كشفت ملامح المشهد السياسي العراقي بوضوح، وأعادت التأكيد على أن التغيير المنشود ما زال بعيدًا عن متناول الواقع، رغم كل الشعارات والدعوات الإصلاحية. ويمكن تلخيص أبرز الملاحظات في النقاط الآتية:
اولا/ خسارة نواب تشرين شكّلت الصدمة الأكبر، إذ أظهرت أن الزخم الشعبي الذي ولد من رحم احتجاجات 2019 لم يتحوّل إلى كيان سياسي منظم. فشل التنسيق، وتشتت الخطاب، وضعف العمل الميداني جعل هذه القوى عرضة للتلاشي في مواجهة الأحزاب التقليدية الراسخة.
ثانيا/ القوى القديمة استعادت نفوذها وإن بنسبة أصوات أقل. المشهد يوحي بإعادة تدوير الوجوه نفسها ضمن معادلة المحاصصة، ما يعني أن البنية العميقة للنظام السياسي لم تتغير رغم تبدّل العناوين والشعارات.
ثالثا/ التصويت ما زال مكوناتياً، إذ ظل الناخب أسير الانتماء الطائفي والعشائري أكثر من اقتناعه بالبرامج الوطنية. في المحافظات السنية عادت الزعامات التقليدية إلى الواجهة، وفي الكردية بقي النفوذ بيد الحزبين الرئيسيين مع بعض الخسارات الشكلية.
رابعا /نسبة المشاركة المنخفضة أقل من 40% أكدت عمق أزمة الثقة بين الشعب والسلطة. فالمواطن لم يعد يرى في الانتخابات أداة للتغيير، بل مجرد إعادة تدوير لأطراف المشهد ذاته بألوان مختلفة.
خامسا/ المال والسلاح والنفوذ لعبت دورًا حاسمًا في رسم النتائج، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها والفقيرة، حيث اختلطت الدعاية بالخدمات المؤقتة وشراء الأصوات تحت غطاء “المساعدات”.
سادسا/ التأثير الإقليمي ما زال حاضرًا وإنْ تغيّر شكله. إيران احتفظت بنفوذها عبر قوى الإطار، والكتل السنيه تعكس تأثيرات تركيا ودول الخليج وبعض التأثيرات الاقليمية وبعض الكتل الاخرى تعكس ضغوطات اقليمية ودولية والولايات المتحدة تراقب المشهد ببرود، بانتظار ما ستؤول إليه التحالفات لتحدد مستوى تدخلها القادم.
سابعا/ الحكومة المقبلة ستكون توافقية هشة، محكومة بتوازنات الكتل لا ببرنامج وطني حقيقي. وبالتالي سيبقى الأداء أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى مشروع إصلاح أو إنقاذ.
،،، ماذا بعد؟
المرحلة المقبلة ستتجه نحو مفاوضات شاقة بين الكتل الشيعية أولًا لتحديد الكتلة الأكبر، يليها سباق لضمّ المكونات السنية والكردية ضمن اتفاق تقاسم جديد.
ومن المرجّح أن تكون المعادلة شبيهة بالدورات السابقة: رئيس وزراء توافقي يُرضي الجميع ولا يُغضب أحدًا، مع توزيع المناصب وفق المحاصصة ذاتها وإن غُلفت بشعارات “الإصلاح” و”التوازن الوطني”.
لكن الأخطر هو أن فقدان الثقة الشعبية سيتعمّق أكثر، ما يعني أن الشارع قد يدخل في مرحلة من الصمت الغاضب أو اللامبالاة، وهي بيئة خصبة لأي اضطراب جديد.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل تتجه القوى السياسية أخيرًا إلى مراجعة حقيقية لمسارها أم تستمر في لعبة تدوير السلطة داخل دائرة مغلقة من المصالح والنفوذ؟