عدنان طعمة
يأتي التفاخر بحضارات العراق القديمة التي يعود عمرها إلى سبعة آلاف سنة لا بوصفها تعبيرا عن امتداد ثقافي حي، بل تقوم الثقافة القبلية السائدة (الوعي الجمعي الراهن) بالاستدعاء الرمزي لماض منقطع ولا يمت بصلة للمدن التي نعيش فيها حاليا. فالعراقي المعاصر بخلطته الثقافية الهجينة وتشوه ثقافته (صراع البداوة والحضارة في مقدمة ابن خلدون) لا يعيش استمرارية لغوية أو دينية أو قيمية مع الحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بقدر ما يقيم معها علاقة متخيلة، تشكلت في ظل قطيعات تاريخية عنيفة فرضتها الغزوات والتحولات الكبرى في أنماط العيش والاعتقاد والتنظيم الاجتماعي. ومع تعثر الدولة الحديثة في إنتاج هوية وطنية جامعة واجتماع القبائل حول المؤسسات الدينية، تحولت الحضارات القديمة إلى رأسمال رمزي يستثمر في الخطاب العام لتعويض هشاشة الحاضر وانكساراته وتشوهاته ، إذ يغدو الماضي المجيد (أمجاد يا عرب أمجاد) ملاذا نفسيا وسردية جاهزة للفخر، لا مشروعا ثقافيا مستمرا. وقد أسهم التعليم والإعلام في تكريس هذا الانفصال حين قدما تلك الحضارات بوصفها منجزات تقنية معزولة عن أنساقها الفكرية والقيمية، مما رسخ معرفة احتفالية لا وعيا ثقافيا. وهكذا جرى الخلط بين الانتماء إلى الجغرافيا والانتماء إلى الثقافة، فبات التفاخر تعبيرا عن ملكية الأرض لا عن استمرار المعنى. وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في الاعتزاز بالماضي بحد ذاته، بل في تحويله إلى بديل رمزي عن بناء حاضر قادر على إنتاج هوية ثقافية قابلة للفخر. وهنا تحققت المفارقة الكبرى بان المجتمعات ذات الثقافة القبلية تتفاخر بثقافات شعوب قديمة لا تمت لها بصلة…