إيهاب مقبل
في مثل هذا اليوم قبل خمسةٍ وثلاثين عامًا، لم تكن سماء الكويت ملبّدة بغيوم شتوية عابرة، بل بسحبٍ سوداء كثيفة صنعتها واحدة من أكثر جرائم التخريب البيئي والاقتصادي فداحة في القرن العشرين: إحراق آبار النفط الكويتية أثناء انسحاب القوات العراقية الغازية في أواخر فبراير شباط 1991.
قرار التخريب
تشير تسجيلات سرية منسوبة إلى الرئيس العراقي آنذاك إلى صدور أوامر واضحة بإحراق الآبار بهدف التشويش على الأسلحة الأمريكية وإعاقة التفوق العسكري لقوات التحالف. وقد طُرحت هذه الفكرة في اجتماع سري مع مجلس قيادة الثورة بتاريخ 30 نوفمبر تشرين الثاني 1990، أي قبل أشهر من تنفيذها فعليًا. لكن ما بدأ كفكرة عسكرية، انتهى ككارثة شاملة.
التنفيذ والنتائج المباشرة
مع بدء الانسحاب العراقي في أواخر فبراير شباط 1991، شرعت القوات المنسحبة في تفجير وإشعال ما يقارب 700 بئر نفطي، وظلت الحرائق مشتعلة لنحو ثمانية أشهر، إلى أن تم إطفاء آخر بئر في 6 نوفمبر تشرين الثاني 1991.
أطلقت الحرائق سحبًا هائلة من الدخان الأسود غطّت سماء الكويت والمنطقة، وامتدت آثارها الجوية آلاف الكيلومترات، حيث لوحظ وصول الدخان إلى الهند والصين، وفي اتجاهات غير مألوفة لحركة الرياح.
التأثيرات البيئية
تلوث الهواء: أفرزت الحرائق كميات ضخمة من الغازات والجزيئات السامة مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والقطران الجزيئي (السخام) التي فاق بعضها المعايير الصحية المحلية لمدد طويلة، مسببة تلوث هوائي حادًا.
التربة والبيئة البرّية: انسكبت كميات هائلة من النفط غير المحترق على الأرض، مشكلة بحيرات نفطية كبيرة وتكوّن طبقة من القار عبر مساحات واسعة من الصحراء، ما جعل التربة مسمومة وغير صالحة للزراعة لأعوام طويلة.
تلوث المياه: تسرب النفط إلى المياه الجوفية والسطحية، ملوثًا مصادر شرب ومياه زراعة محتملة، بينما أدّت التغطية الكيميائية للجزيئات القادمة من الدخان إلى تدهور جودة المياه في بعض المناطق على المدى الأقصر.
الأحياء البرّية والنظم البيئية: الدخان والملوثات أضعف التنوع الحيوي المحلي، وأثر سلبًا على النباتات والحيوانات التي تعتمد على النظام البيئي الصحراوي الهش. بعض الطيور والأنواع الصغيرة تعرضت للضغط البيئي الشديد بسبب فقدان الموائل وتلوث الغذاء والماء.
التأثيرات الصحية على البشر
تعرض السكان المحليون والقوات العسكرية التي بقيت في المنطقة لفترات طويلة لكميات عالية من الجزيئات الملوِّثة في الهواء، وقد لوحظت حالات من تهيج العينين والجهاز التنفسي، سعال، ضيق تنفسي، والتهاب الجيوب الأنفية.
ورغم أن الدراسات المبكرة لم تُثبت بشكل حاسم وجود آثار صحية مزمنة لدى جميع المتعرضين للدخان، فإن المؤشرات الصحية العامة أظهرت تدهورًا ملحوظًا لدى من بقوا في الكويت طوال فترة الحرائق، مقارنةً بمن غادروها بعد الحرب وتعرّضوا لمستويات أقل من التلوث.
التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية
الخسائر النفطية: يُقدّر أن ما بين 1 و1.5 مليار برميل من النفط أُطلق إلى البيئة إما محترقًا أو مسربًا، مع تكبّد اقتصاد الكويت خسائر ضخمة في الإنتاج والاحتياطي النفطي.
تكلفة الإطفاء والتنظيف: استدعى إطفاء الحرائق آلاف العمال من أكثر من 10 دول، وتكلّف جهود الإطفاء وحدها مليارات الدولارات، فضلًا عن التكلفة الكبيرة لمعالجة التربة والمياه.
الآثار الاجتماعية: بالإضافة إلى تدهور جودة الحياة أثناء الحرائق، تركت هذه الكارثة أثرًا نفسيًا واجتماعيًا طويل المدى على المجتمع الكويتي، بسبب مكوّناتها البيئية والصحية والاقتصادية معًا.
هل كانت خطوة عسكرية ناجحة؟
رغم حجم الدمار، أثبتت الوقائع الميدانية أن إحراق آبار النفط لم يكن استراتيجية عسكرية فعّالة. فالتفوق الجوي لقوات التحالف لم يتأثر بشكل ملموس، ولم تمنع السحب الدخانية الطائرات من إصابة أهدافها بدقة، كما لم تمنح القوات العراقية المنسحبة أي حماية حقيقية على الأرض.
وبعبارة أوضح: الدخان لم يُعَمِّ العيون العسكرية، لكنه أعمى البيئة والاقتصاد.
وعلى ما يبدو، فإن الهدف الحقيقي من إحراق آبار النفط كان إلحاق أكبر ضرر اقتصادي ممكن بدولة الكويت، في إطار سياسة الأرض المحروقة، أكثر منه محاولة جدية لتحقيق مكاسب عسكرية أو تغيير مسار الحرب.
بعد 35 عامًا
اليوم، في أواخر فبراير شباط 2026، لا تُستحضر تلك الحرائق بوصفها فصلًا عسكريًا فحسب، بل كدرسٍ قاسٍ في كيف يمكن لقرار سياسي واحد أن يحوّل الثروة إلى سلاح، والبيئة إلى ضحية. لقد انطفأت النيران، لكن آثارها البيئية والاجتماعية ما زالت حاضرة، تُذكّر بتبعات الحرب على الأجيال القادمة، حتى بعد إطفاء آخر بئر في السادس من نوفمبر تشرين الثاني 1991.
التسجيل السري لصدام حسين (خاتمة تاريخية)
في نهاية المقال، يجدر الإشارة إلى تسجيل صوتي يُزعم أنه لمنسوب إلى الرئيس العراقي السابق صدام حسين من اجتماع مع مجلس قيادة الثورة بتاريخ 30 نوفمبر تشرين الثاني 1990، يُشير فيه إلى أوامر بإحراق آبار النفط في الكويت بهدف إعاقة التفوق العسكري لقوات التحالف.
يمكن الاستماع إلى التسجيل الصوتي الأصلي عبر الرابط:
ملاحظة: المصطلحات والادعاءات في التسجيل ليست موثقة رسميًا من أرشيف حكومي، لكنها متداولة في الدراسات والتحليلات حول أسباب إحراق الآبار.
انتهى