العراق … معرض بغداد الدولي للسياسيين المستعملين !

ضياء المهندس

تقول خاچية:
في العراق، عندما تريد شراء سيارة مستعملة، يسألك التاجر بثقة:
تحبها وارد أمريكي لو خليجي؟
الأمريكي ضربة خفيفة من الأمام… بس المواصفات فل.
الخليجي نظيف، ماشي على طرق معبّدة… بس بدون تبريد خلفي.
أما في السياسة، فلا أحد يسألك.
لأنك ببساطة لست الزبون.
الزبون الحقيقي يجلس خلف البحار،
والسياسي العراقي يُعرض في “مزاد دولي” مع تقرير فحص شامل:

  • موقفه من إيران؟
  • مدى قبوله أمريكيًا؟
  • قابل للتدوير إقليميًا؟
  • يتحمل ضغط الشارع؟

حين خرج نوري المالكي من المشهد عام 2014، لم يكن ذلك انتقالًا ديمقراطيًا سلسًا كما في الكتيبات المدرسية.
كان أقرب إلى سحب مركبة من الخدمة بعد تغيّر سياسة الشركة الأم.
تلك اللحظة لم تكن سقوط رجل… بل بداية انهيار أسطورة “أنا مدعوم إذن أنا باقٍ”.
منذ ذلك اليوم، فهم الجميع أن الضمان السياسي ليس أبديًا.
وأن “التوافق” ليس عقد ملكية… بل عقد إيجار.
ومنذها صار كل رئيس وزراء نسخة مؤقتة،
بكفالة خارجية،
وقابلة للاستبدال عند أول تحديث في النظام الإقليمي.
التوافق… أكبر شركة تجميع في الشرق الأوسط
العراق لا يصنع رؤساء وزراء… بل يجمعهم.
قطع أمريكية،
براغي إيرانية،
طلاء عربي،
وشعار وطني للاستعمال المحلي فقط.
حتى في مرحلة محمد شياع السوداني، بقيت معادلة “لا اعتراض دولي = تفضل بالدخول” هي الشرط الأساسي.
المفارقة الساخرة أن الجميع يتحدث عن السيادة،
لكن أول سؤال يُطرح عند ترشيح أي اسم هو:
“شنو موقف السفارة؟”..
ذي قار… النسخة القديمة من الصراع
في التاريخ، عندما رفض كسرى ملك الحيرة النعمان بن المنذر، انتهى الأمر إلى معركة ذي قار، وانتصر العرب في أول مواجهة مباشرة مع الفرس.
اليوم، لا حاجة لمعركة.
يكفي “بوست” أو “تغريدة” أو تسريب إعلامي.
المعركة لم تعد بالسيوف،
بل بالإشارات.
ذي قار كانت مواجهة سيادة.
أما اليوم، فالمواجهة حول من يحصل على ختم المطابقة الدولية.
السياسي العراقي… جهاز قابل لإعادة الضبط
المشكلة أن أغلب السياسيين لم يعودوا يبحثون عن رضا الشعب،
بل عن “تحديث النظام” الخارجي.
إذا اختلفت أمريكا مع إيران…
يرتبك المعرض.
إذا تصالحتا…
ينتعش السوق.
أما المواطن؟

إمبراطورية الفساد التي بُنيت على المحاصصة والتوافق كانت تبدو حصنًا لا يُخترق.
لكن بعد 2014، بدأت تتصدع.
سقوط المالكي كان أول شرخ في الجدار.
والبقية يعيشون على أمل أن لا تأتيهم مكالمة “تم إلغاء الطلب”.
اليوم، الجميع خائف من لحظة الاستبدال.
لا أحد يثق بالضمان.
ولا أحد يملك مفاتيح البقاء.
الخاتمة… عرض خاص لفترة محدودة
العراق ليس معرض سيارات…
لكنه يُدار كأنه كذلك.
رؤساء حكومات بمواصفات مستوردة،
نخب سياسية تعمل بنظام “الوكالة”،
وشعب يُطلب منه أن يصفق بعد كل عملية تسليم.
والسؤال الذي يستحق السخرية والبكاء معًا:
إذا كان رئيس الوزراء يحتاج شهادة قبول من الخارج…
فهل نحن دولة؟
أم صالة عرض موسمية، تُبدّل موديلاتها كلما تغيّر المزاج الدولي؟

البروفسور د ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي