رياض سعد
كان الليل يتسرب إلى الغرفة كحبرٍ بطيء، والنافذة تطل على مدينة لا تنام، لكنها كانت بالنسبة له مدينةً ماتت منذ زمن…
لم يكن الليل مختلفًا هذه المرة، لكنه بدا أكثر صدقًا …
جلس يوسف على كرسيه الخشبي القديم،لا لأن المكان مريح، بل لأنه آخر ما تبقّى من توازنٍ داخلي… ؛ الغرفة ضيقة، لكن ما يضغط عليه لم يكن الجدران… , بل شيء أوسع، شيء لا يُرى، كأن الوجود نفسه يراقبه بصمتٍ بارد …
ثم صار يحدّق في السماء الملبدة بالغيوم، وفي يديه كأس نبيذ نصف فارغ… ؛ كان وحيدًا، لكن الوحدة لم تكن عدوه هذه المرة، بل رفيقته في حوار طويل وصامت …
وفجأة، همس لنفسه، أو ربما للجدار الأبيض المتقشر :
لم يتبقَّ أملٌ سوى الموتِ الذي سينقذني…؛ لأني مهما عشتُ وواصلتُ، لن أحصدَ غيرَ الخيباتِ والأسى… ؛ فاجعةٌ وجوديةٌ هذه الحياة …!!
سكت لحظة، وكأنه ينتظر ردًا من الظل… ؛ ثم استرسل :
خسرت جميعُ الفرص، وفقدتُ كلَّ المحاولاتِ معناها… ؛ رجائي الآن في الموت وحده، أن يكونَ مخلِّصي من هذا العبء الثقيل … ؛ أرى الموتَ هو النعيمَ بعينه، حيث يقطع عنا عناءَ الألمِ وعذابَ الانتظار… ؛ بل هو راحةٌ أبدية، ورقادٌ يستريحُ به الإنسانُ أخيرًا …!!
نهض متثاقلًا، ووقف أمام المرآة المعلقة على الحائط… ؛ نظر إلى وجهه: عينان غائرتان، وجبين تعلوه تجاعيد مبكرة، وفمٌ جفَّ من الكلام… ؛ تأمل نفسه طويلًا، ثم بدأ حوارًا جديدًا، لكن هذه المرة مع صورته :
يوسف: أنتَ تعلم أن الحياة لم تظلمني وحدي… ؛ فالكلُ يعاني… , لكن الألم حين يصير رفيقَ كلِّ صباح ومساء، يصير أثقلَ من الجبال الرواسي …
الصورة (بصوته الداخلي) : أو ربما صار الألمُ عادةً، يا يوسف؟ ألستَ أنت من قال ذات يوم: ‘الإنسانُ يصنعُ سجنَه بيديه ثم يبحثُ عن مفتاحٍ في جيبه’؟!
يوسف: كلماتٌ قديمة… ؛ كنتُ أصدقُها حين كان الأملُ ينبضُ في صدري كطيرٍ صغير… ؛ لكن الطير مات، يا صاح… ؛ و الفرصُ التي توفيت… هل نسيتَ؟!
فرصةُ الحب التي خانتني، وفرصةُ العمل التي سرقها المحسوبون، وفرصةُ الكتابة التي جفت ينابيعُها حين احتاجتُ إليها أكثر…!!
الصورة: أم أنك قتَلْتَها بيديك؟ حين آثرتَ الصمتَ على الكلام، والانطواءَ على المواجهة، والحزنَ على الأمل؟!
يوسف: (بصوت مرتجف) لقد حاولتُ… , والله لقد حاولتُ… ؛ أتذكرُ حين قدمتُ أوراقي لدار النشر تلك … ؛ رفضوني دون أن يقرأوا سطرًا واحدًا… ؛ قالوا: بضاعتك كاسدة لا تباع … ؛ أليست هذه إهانةً وجودية؟ أن تُختزلَ في اسمٍ لا قيمةَ له في السوق … ؟!
الصورة: لكن أليس الموتُ أيضًا إهانةً كبرى؟
أن تُحرمَ من القدرة على المحاولة مجددًا؟
استمع إليّ: ما تصفُه بالنعيم، قد يكونُ فراغًا أبديًا لا يُحسدُ عليه… ؛ الراحةُ التي تتوقُ إليها… , هل جربتَ راحةَ الصباح الباكر حين تشرقُ الشمسُ رغم كل شيء؟ هل جربتَ نومةَ الطفل بعد بكاء طويل؟!
يوسف: (بهدوء، وقد تغيرت نبرته قليلًا) أنتَ تتحدثُ بلغة الشعراء… ؛ أما أنا فأتحدثُ بلغةِ الجروحِ التي لا تندمل… ؛ انظر إلى يديّ… , كم محاولةً فاشلةً خطَّتا؟ كم مرةً وقعتُ ونهضتُ لأقعَ من جديد؟!
الصورة: ولماذا النهوضُ إذن؟!
لأن فيك شيئًا لم يمت بعد… ؛ ربما ليس أملًا، بل فضولًا… ؛ فضولُ من يريد أن يعرف: هل يمكن أن يأتي الغدُ بشيء مختلف؟
سكت يوسف طويلًا… ؛ ثم جلس على حافة السرير، وأخذ يتأمل كأس النبيذ مرة أخرى… ؛ ثم رفعه إلى فمه، وشرب رشفة صغيرة… ؛ شعر بحرارة النبيذ تسري في جسده كحياة مستعارة …
فتح النافذة… ؛ كان الهواء باردًا، ورائحة المطر قادمة من بعيد… ؛ رأى عجوزًا تجلس على مقعد في الحديقة المقابلة، وحدها، تحمل مظلةً قديمة… ؛ لم تكن تفعل شيئًا، فقط تتنفس… ؛ فقط موجودة .
فكر يوسف للحظة: ربما الموتُ ليس نعيمًا، بل غيابُ كلِّ شيء… ؛ حتى غيابُ الألمِ نفسه قد يكون ألمًا من نوع آخر… , ألمُ العدم .
أغلق النافذة، لكنه ترك لها شقًا صغيرًا… ؛ ثم عاد إلى كرسيه، وأخذ قلمًا ودفترًا صغيرًا من تحت الوسادة… ؛ كتب سطرًا واحدًا :
لم يمت الأملُ بعدُ… ؛ لقد نامَ فقط، في انتظارِ من يُوقظُه… .
لم تكن نهاية، بل بداية أخرى لكتاب لم يكتبه بعد… ؛ وعندما أطفأ الضوء، لم يعد يفكر في الموت كمخلص، بل كسؤالٍ كبير ترك إجابته للحياة …