الكاتب : سليم الحسني
بعد تولي الدكتور إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء عام ٢٠٠٥، طلب مني أن أنضم الى فريقه. فقد جمعتني أجواء العمل الحزبي مع الدكتور الجعفري في المجال الإعلامي عندما كنتُ رئيساً لتحرير جريدة الحزب الرسمية، وكان هو رئيس المكتب السياسي. وحتى بعد خروجي من حزب الدعوة بقيت العلاقة وثيقة معه.
كنتُ بحاجة الى عدة أسابيع لانجاز بعض الإجراءات القانونية تمهيداً لعودتي الى العراق. خلال هذه الفترة جاء الجعفري الى لندن في زيارة رسمية، وقد طرحتُ عليه أهمية الاستعانة بالدكتور (إحسان الأمين)، فأبدى تفاعله الكبير في ذلك وكذلك بعض المستشارين المقربين منه، فلا أحد يزهد بشخصية لامعة في الخلق والكفاءة والنزاهة والاخلاص مثل الدكتور الأمين/ أبو كوثر. كان تفاعل الجعفري يفوق تفاعلي بحكم العلاقة التاريخية معه ومع عائلته المعروفة في كربلاء.
بقيتُ في اتصالاتي مع الجعفري ومع فريقه أذكّرهم واستفسر منهم حول موضوع الحاج أبو كوثر، وكانت التأكيدات بأن فالح الفياض سافر الى طهران عدة مرات وعرض عليه المجيء الى بغداد للعمل في فريق الجعفري مديراً لمكتبه أو أميناً عاماً لمجلس الوزراء.
في تقييمي الشخصي ومقارنةً بما وصلتْ إليه أحوال العراق بعد ذلك، فأن الدكتور احسان الأمين كان أكبر من تلك المواقع، فهو بقدراته وثقافته العالية ونظرته العميقة وأخلاقة الراقية وإدارته المشهودة يصلح أن يكون رئيساً لوزراء العراق، لكن الحسابات السياسية لمعظم زعماء الكتل ترفض رفضاً قاطعاً وبحماس مصيري أن يتولى النزيه صاحب الرأي والشخصية القوية هذا المنصب المهم، إنه قرار تضامنوا عليه واقسموا بشياطين الجن والإنس أن لا يسمحوا بذلك.
حانت ساعة العودة الى العراق، فتوجهتُ الى طهران في طريقي الى بغداد. وكان لا بد أن أزور الحاج (أبو كوثر). دار الحديث بتجواله الواسع على شؤون عديدة وقضايا متعددة، ومنها العمل مع الدكتور الجعفري. فكانت المفاجأة أن فالح الفياض لم يتحدث مع الدكتور احسان الأمين مطلقاً عن العمل ضمن فريق الجعفري، ولم يأتِ على ذكر ذلك في لقاءاته معه، لا من مسافة بعيدة، ولا حتى عن طريق إشارة خرساء.
حين وصلت الى بغداد، وفي منزل الدكتور الجعفري وبحضور عدد من المستشارين وسكرتيره الخاص الصديق إياد بنيان، أثرتُ موضوع الدكتور إحسان الأمين. فقال فالح الفياض وقد ظهرت عليه ملامح عدم الارتياح مع أنه بارع في إخفاء انفعالاته:
ـ لقد تحدثتُ مع (أبو كوثر) بالعربي والإنكليزي والكردي ولم يستجب، فهو يرفض العمل من الأساس، ماذا أفعل أكثر من ذلك؟
كانت تلك مفاجأة ثانية، لكنها هذه المرة صادمة عنيفة. أحسستُ وكأن لدغة عقرب من نار قد أصابتني، وكأن دويّاً شيطانياً يملأ المكان. لقد اكتشفتُ أن الفياض كان يوهم الجعفري بمعلوماته الكاذبة، وأنه كان يريد أن يمنع حضور (أبو كوثر) الى بغداد، فقطع عليه الجسور والممرات وأغلق الأبواب والنوافذ. ولم يكن الحاج أبو كوثر من طراز الرجال الذين يطلبون المناصب والمواقع، ويبدو أن الفياض عرف ذلك فاطمأن الى نجاح مخططه.
الفياض لم يحرم الجعفري من كفاءة وإخلاص إحسان الأمين بل حرم العراق من خدمات هذا الإنسان النبيل وعطاءاته، وهي صفة مشهودة له على مدى سنين طويلة، مارس فيها الكثير من المسؤوليات في ساحات المهجر، فكانت المؤسسات المتلكئة تتحول الى نجاحات باهرة حين يتولى إداراتها. وكانت الأزمات الحادة تنقلب الى أجواء هادئة حين يخوض حواراتها. وكانت الطرق المغلقة تصير مسارات مفتوحة حين يتولى مسؤوليتها.
بعد سنين عديدة كنتُ أضع أمام عيني مقارنة بسيطة بين صورتين تعامل معهما الفياض:
الدكتور إحسان الأمين بتاريخه المشرق وعمله المخلص وشخصيته المبدأية، فحاربه الفياض سراً، فكانت الخسارة عامة.
خميس خنجر بتاريخه البشع وعمله التخريبي وشخصيته التآمرية، وقد بذل الفياض كل جهوده في التحالف معه والزج به في عمق التحالفات الشيعية. لقد جاء لنا بكائن مصنوع من خراب وكراهية فاحتضنه حتى صار لصقه ونصفه الآخر، ووجهه وقفاه، يدافع عنه بلا حياء ويصفه بأنه مكسب للعملية السياسية. إرهابي وفاسد يراه الفياض مكسباً ويتخذه حليفاً وشريكا.
٢٣ تشرين الثاني ٢٠٢٢