تفاهات مبرمجة.. حين تُغتال القدوات وتُصادر الهويّة..!

عمار الموسوي

في ضوء المعطيات المتزايدة لا يمكن النظر إلى ظاهرة “تصدير التفاهات” إلى المجتمع على أنها حالة عرضية أو هامشية، بل هي عملية مبرمجة، تقوم على دراسة دقيقة لسلوك الجماعة، وطريقة تشكّل القيم والمعايير الاجتماعية، بهدف ضرب المنظومة المرجعية للمجتمع واستبدالها بنماذج سطحية خاوية.

ما المقصود بتصدير التفاهة؟

تصدير التفاهة يعني تحويل شخصيات لا تمتلك رصيداً علمياً أو أخلاقياً إلى رموز شعبية”، وتكرار عرضها وتلميعها في الفضاء الإعلامي حتى تتحوّل، من حيث لا يشعر الجمهور، إلى قدوة أو مرجعية سلوكية، بل وربما إلى “صوت يمثل الناس.

هذا النمط من الترويج يقوم على ما يسمّيه علماء النفس الاجتماعي “التأثير المرجعي المزيف” حيث تتشكل قناعات الجمهور لا بناءً على الحقائق، بل على كثافة التكرار، والانطباع العام، واستثارة الانفعال الجماعي.

الهدف من هذه الاستراتيجية لا يقف عند حدود التسلية أو الإلهاء، بل يتجاوز ذلك إلى اغتيال القدوات الحقيقية، واستبدالها برموز مضادة فارغة من أي مضمون حضاري أو أخلاقي.

يتم ذلك عبر آليات متعددة:

١- التهميش الإعلامي للقدوات الحقيقية: أصحاب الفكر، والعلم، والجهاد، يتم دفعهم إلى الظل، وحرمانهم من المنصات المؤثرة.

٢- التسقيط الناعم: من خلال الشائعات، أو السخرية المنظمة، أو مقارنات ظاهرية مغلوطة.

٣- تفكيك الهوية: بتغليب الصور النمطية المستوردة، وإبراز نماذج لا تنتمي إلى الثقافة الأصيلة، مما يؤدي إلى تفريغ الهوية من محتواها القيمي.

أن الإنسان في الجماعة يتأثر بما يُعرف بـ “الضغط الجمعي” فيسلك سلوكاً غير نابع من قناعته، بل من رغبة اللاوعي في الاندماج مع الأكثرية. ولهذا، فإن صناعة رأي عام عبر شخصيات تافهة لكن محبوبة أو مثيرة، تؤدي إلى خلق حالة من التطبيع مع التفاهة، بل ومن الدفاع عنها ضد النقد!

كما تُستثمر ظواهر مثل الانبهار بالمشاهير (Celebrity worship) ونظرية العدوى السلوكية (Behavioral contagion) لترسيخ هذه الظاهرة، فتتحول اللاشعور الجمعي إلى أداة طيّعة في يد من يملك التحكم بالمنصات.

واجبنا :

من منطلق الوعي الرسالي، لا يمكن الوقوف مكتوفي الأيدي أمام هذه الحرب الناعمة. الواجب أن نعيد الاعتبار للقدوات الصالحة، ونُحدث وعياً نفسياً وثقافياً يحصّن المجتمع من الانجراف وراء موجات التجهيل والتسطيح. وهذا يتطلب:

١- صناعة محتوى بديل قوي وجذاب، يقدّم الرموز الأصيلة في قوالب معاصرة.

٢- تحليل نقدي لآليات الترويج للتفاهة وكشف خلفياتها الأيديولوجية.

٣- بناء بيئة تربوية وإعلامية تُشجع على التفكير النقدي، والارتباط بالقيم العليا.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “العالِم حيّ وإن كان ميتاً، والجاهل ميّت وإن كان حياً”. فلنعمل على أن تبقى حياتنا تفيض بنور العلم والقدوة، لا بضجيج التفاهة.

https://t.me/AlziaAlmusawi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *