كامل سلمان
بقلم ( كامل سلمان )
الأخبار التي تناقلتها شاشات التلفزة تظهر أن اسلحة حزب العمال الكوردستاني ترمى في محرقة ليتم حرقها ! شيء لم يحدث سابقاً في أية عملية نزع سلاح في التأريخ . كلنا نعرف عملية نزع السلاح هو تسليم السلاح وليس حرقه . في العام 1975 م بعد اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران أعلنت الحكومة العراقية العفو الشامل لجميع مقاتلي الثورة الكوردية في كوردستان العراق على أن يتم تسليم السلاح الذي بحوزة الثوار الكورد إلى نقاط عسكرية عراقية خصصت لهذا الغرض مقابل مبلغ مالي مجزي لكل قطعة سلاح ، بعدها يسجل أسم كل مقاتل كوردي في سجلات خاصة لغرض توفير فرص عمل للمقاتل العائد وكانت فرص العمل متوفرة في جميع دوائر الدولة العراقية غير الدوائر الأمنية أنذاك ويتم التعيين حسب الخبرة وحسب التحصيل الدراسي وأذكر هنا ابن عمتي أحد العائدين وقتها ( أو النازلين من الجبل كما كانوا يسمونه ) وأبن عمتي هذا له تحصيل جامعي ( بكلوريوس ) حيث تم توظيفه بدرجة رئيس ملاحظين في وزارة البلديات وأيضاً أذكر أحد أقاربي ساعدته دوائر المحافظة في أربيل بفتح مكتب مقاولات بعد تسليم سلاحه وكانت له الأولوية في كل مقاولة تعلنها المحافظة ، بمعنى اهتمام الدولة بجميع العائدين لأسباب كثيرة أهمها إمتصاص روح الثورة من المقاتلين الكورد ودمجهم بالحياة المدنية الطبيعية ، لكن الغريب في حالة حزب العمال الكوردستاني لم نسمع بتوفير الحكومة التركية أية فرصة عمل لمقاتلي حزب العمال الكوردستاني ولم نعرف اللغز وراء حرق السلاح وكما هو معروف السلاح هو قطعة حديدية فكيف يتم حرقها ؟ ولماذا لم يستفد من هذا السلاح بدلاً من حرقه ؟ أسئلة كثيرة ولكن كل الظن بأن عملية حرق السلاح له دلالات رمزية وهي أن السلاح الذي فشل في حرق العدو من الأفضل حرقه والتخلص منه أو أن شعلة النار التي توقد في نوروز كتب لها أن تبقى بلهيبها تتلظى ولن تنطفىء حتى لو تحول الحديد إلى وقود لهذه الشعلة والكل يعلم بأن للنار رمزية عظيمة عند الكورد وهي بنفس الوقت تغيض أعداء الكورد ، نزع السلاح لا يعني بأن النضال التحرري الكوردي قد إنتهى فالسلاح مجرد وسيلة من بين عشرات الوسائل والسلاح الذي لا يعيد حقوق الشعب الكوردي لا خير فيه أو أن هذا السلاح أدى دوره المطلوب ، صحيح أننا لا نعرف خفايا الاتفاق بين الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني ولكننا على الأقل نعرف بأن الاتفاق كان تحت رعاية دولية وإقليمية فمهما كانت تركيا هي الرابح لابد أن يكون هناك نصيب من الربح للشعب الكوردي في تركيا . الحقيقة التي يتفق عليها الجميع وهي أن الكورد لا يمكن أن يعيشوا طوال الدهر تحت رحمة القوميات الأخرى ، فتركيا اليوم بعد أن تيقنت بأنها لم تعد لاعباً إقليمياً كبيراً أمام العملاق الجديد في الشرق الأوسط وهي إسرائيل أخذت تنظر للمستقبل من زاوية أخرى وهي الزاوية التي تجبرها أن تنظر لحقوق الشعب الكوردي من منظار واقعي لئلا يأتي اليوم الذي تجد فيها تركيا نفسها في وضع حرج مع تغير موازين القوى لصالح المارد الجديد ، فالقيادات التركية استيقنت بأن أمامها طريقان لا ثالث لهما أما التصالح مع الشعب الكوردي وإبداء بعض التنازلات لمصلحة الكورد وهذا ما حصل فعلاً كما هو واضح أو الرفض المطلق لحقوق الشعب الكوردي وهي تعلم بأنها لم تعد تلك الإمبراطورية العثمانية العنيدة الماكرة أمام القطب الأحاديّ ، فقد أختارت الطريق الصحيح ( خسارة نسبية اليوم أفضل من خسارة كبيرة غداً ).. قد يكون لبعض المحللين رأي مختلف لكن السؤال الذي يؤكد صحة ما ذهبنا اليه هو لماذا يحدث هذا التصالح مع الكورد بعد الأحداث الدامية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط . نحن نعطي هذا الرأي ولا ننسى بأن تركيا كانت لها اليد الطولى الخفية في الكثير من الأحداث التي مرت بالشرق الأوسط ، فأن خفيت على الناس لا تخفى على اللاعبين الكبار . فهل ينسى المجتمع الدولي بأن جميع حركات الإسلام السياسي السنية المتطرفة والإرهابية كانت تخرج من عباءة الأخوان المسلمين المدعومة بشكل مباشر من تركيا ومن ضمنها داعش وحركة حماس . فتركيا تعرف بأنها أصبحت مكشوفة للكبار ولن تسلم من الأنتقام وردات الفعل وتعرف بأن أفعالها الدموية في خلق الحروب والفوضى والضرر للمنطقة لن يمر مرور الكرام ، فهناك من يعد العدة ليوم الحساب الذي سيكون عسيرا ، وتركيا تعرف هذا لذلك عمدت إلى ترتيب البيت الداخلي لعلها تنجو ، فما يحصل اليوم له علاقة بالمستقبل القريب الذي تدركه تركيا قبل غيرها .