العراق ساحة الحرب الكبرى بين إيران وأمريكا

ضياء المهندس

في الحروب الكبرى لا تبدأ المعارك دائماً بإعلان رسمي أو ببيان حرب واضح. أحياناً تبدأ بصمتٍ ثقيل، بضرباتٍ غامضة، وبطائرات مسيّرة تظهر في السماء ثم تختفي دون أن يعلن أحد مسؤوليته عنها. هذا تحديداً ما يحدث اليوم في العراق.
فمع اشتداد المواجهة بين إيران من جهة، و الولايات المتحدة و إسرائيل وبعض حلفائهما في الخليج من جهة أخرى، يبدو أن العراق يُعاد تشكيله مرة أخرى ليكون ساحة الاشتباك غير المعلنة في هذه الحرب.
العراق… ساحة الحرب غير المعلنة
منذ سقوط بغداد عام 2003 لم يخرج العراق فعلياً من معادلة الصراع الدولي. لكن ما يجري اليوم مختلف؛ فالعراق لم يعد مجرد بلد يعاني من تدخلات خارجية، بل تحول إلى عقدة جيوسياسية مركزية في الصراع بين محورين إقليميين ودوليين.
المحور الأول تقوده إيران عبر شبكة من الحلفاء والفصائل المسلحة الممتدة من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت.
أما المحور الثاني فتقوده الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل وعدد من دول الخليج.
وبين هذين المحورين يقف العراق في موقع بالغ الحساسية، لأن جغرافيته تمثل الخط البري الأهم في توازنات المنطقة.

الضربات الغامضة… حرب الظل

الضربات التي تتكرر في شمال بغداد وديالى وبابل وصلاح الدين ونينوى ليست حوادث أمنية عادية، بل جزء من حرب الظل التي تدور فوق الأرض العراقية.
في هذه الحرب تستخدم الأطراف وسائل متعددة:

الطائرات المسيّرة بعيدة المدى

عمليات الاغتيال الدقيقة

ضرب مخازن السلاح

تعطيل شبكات الإمداد

الهدف من هذه العمليات ليس فقط تدمير مواقع عسكرية، بل تفكيك البنية العملياتية للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران ومنعها من تحويل العراق إلى منصة هجوم إقليمية.
لكن في المقابل، ترى تلك الفصائل أن العراق جزء من معركة أكبر، وأن الرد على إسرائيل أو الولايات المتحدة يمكن أن ينطلق من أي نقطة في الجغرافيا العراقية.
وهنا يصبح العراق عملياً جبهة مفتوحة دون إعلان حرب رسمي.
لغز صحراء النخيب
الأكثر إثارة للقلق هو ما يتردد عن عمليات إنزال جوي أو تحركات عسكرية غامضة في صحراء النخيب الواقعة بين كربلاء والنجف.
هذه المنطقة ليست مجرد صحراء عادية؛ فهي تقع في نقطة استراتيجية تربط:
_ غرب العراق بالحدود السورية.
_ الجنوب العراقي بالممرات. الصحراوية نحو السعودية.
_ الطريق الذي يربط الأنبار بالفرات الأوسط.
لذلك فإن أي عملية عسكرية في هذه المنطقة قد تكون جزءاً من إعادة رسم خرائط السيطرة الميدانية.
التحليلات الأمنية تتحدث عن عدة احتمالات:
الأول: عمليات خاصة لملاحقة قيادات ميدانية عالية القيمة.
الثاني: تدمير مخازن صواريخ أو منصات إطلاق للطائرات المسيرة.
الثالث: استطلاع استراتيجي لفتح مسرح عمليات جديد في الصحراء الغربية.
مهما كان الهدف الحقيقي، فإن الرسالة الواضحة هي أن الصحراء العراقية أصبحت ميداناً عسكرياً نشطاً.
الدولة العراقية في المأزق
أخطر ما في المشهد هو أن الدولة العراقية نفسها تبدو عالقة بين طرفين متصارعين.
فمن جهة لا تستطيع بغداد السماح بتحويل أراضيها إلى منصة صراع إقليمي.
ومن جهة أخرى لا تمتلك القدرة الكاملة على السيطرة على كل الفصائل المسلحة.
وهكذا يصبح القرار العراقي محاصراً بين:
ضغط أمريكي يطالب بضبط الفصائل
ضغط إيراني يدفع باتجاه إبقاء العراق جزءاً من محور المقاومة
هذا التوازن الهش يجعل العراق أقرب إلى منطقة احتكاك جيوسياسي منه إلى دولة مستقلة القرار في هذه المعادلة.
السيناريو الأخطر هو
إذا استمرت الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في التصاعد، فإن السيناريو الأخطر قد يكون تحويل العراق إلى جبهة قتال غير مباشرة.
وقد يتخذ ذلك عدة أشكال:
تكثيف الضربات الجوية ضد الفصائل داخل العراق
عمليات خاصة لاستهداف القيادات العسكرية
تحويل الصحراء الغربية إلى ممر عمليات عسكرية
استخدام الأراضي العراقية لإطلاق الصواريخ أو المسيّرات
وفي هذه الحالة سيجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب صراع لا يملك السيطرة الكاملة عليه.
ان ما يحدث اليوم في العراق ليس مجرد أحداث أمنية متفرقة، بل إشارات إلى تحول أعمق في طبيعة الصراع في المنطقة.
فالحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم تعد محصورة في حدود الدول، بل أصبحت حرباً متعددة الجبهات، والعراق هو إحدى أهم ساحاتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس:
هل العراق جزء من هذه الحرب؟
بل السؤال الأخطر هو:
هل بدأ فعلاً تحويل العراق إلى المسرح الرئيسي للمواجهة القادمة في الشرق الأوسط؟

البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي