من مفاهيم اللجوء في القرآن الكريم (يجير، يجار، يجركم)‎

فاضل حسن شريف


اللاجئ يذهب الى بلد يجيره أي يحميه ويغيثه. عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن يجير “قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” ﴿المؤمنون 88﴾ يجير فعل، يجار فعل. يجير: يؤمِّن من يخاف من غيره، و يؤمنه و يدافع عنه من أي ظالم له. هو يجير: يُغيث ويحمى من يشاءُ ويمنع. لا يُجار عليه: لا يُغاث أحد منه ولا يُمنع. قل: مَن مالك كل شيء ومَن بيده خزائن كل شيء، ومَن يجير مَنِ استجار به، ولا يقدر أحد أن يُجير ويحمي مَن أراد الله إهلاكه، ولا يدفع الشر الذي قدَّره الله، إن كنتم تعلمون ذلك؟ قوله سبحانه “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” ﴿الملك 28﴾ يجير فعل، يُجِيرُ: يحفظ. يُجير الكافرين: يُنـَجّـيهمْ. أو يَمنعهم أو يؤَمّنهم. قل أيها الرسول لهؤلاء الكافرين: أخبروني إن أماتني الله ومَن معي من المؤمنين كما تتمنون، أو رحمنا فأخَّر آجالنا، وعافانا مِن عذابه، فمَن هذا الذي يحميكم، ويمنعكم من عذاب أليم موجع؟ قوله عز وجل “يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” ﴿الأحقاف 31﴾ وَيُجِرْكُم: وَ حرف عطف، يُجِرْ فعل، كُم ضمير. يا قومنا أجيبوا رسول الله محمدًا إلى ما يدعوكم إليه، وصدِّقوه واعملوا بما جاءكم به، يغفر الله لكم من ذنوبكم وينقذكم من عذاب مؤلم موجع. قوله جل جلاله “قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا” ﴿الجن 22﴾ يُجِيرَنِي: يُجِيرَ فعل، نِي ضمير. لنْ يجيرني من الله: لنْ يمنعَني من عذابه إنْ عَصَـيتـُـه. قل أيها الرسول لهم: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضرًا، ولا أجلب لكم نفعًا، قل: إني لن ينقذني من عذاب الله أحد إن عصيته، ولن أجد من دونه ملجأ أفرُّ إليه مِن عذابه، لكن أملك أن أبلغكم عن الله ما أمرني بتبليغه لكم، ورسالتَه التي أرسلني بها إليكم. ومَن يعص الله ورسوله، ويُعرض عن دين الله، فإن جزاءه نار جهنم لا يخرج منها أبدًا.

البلد الذي يجر أي يخلص اللاجئ من عذاباته يسمى بلد اللجوء فهو الملجأ أو الملتحد. جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” ﴿الأحقاف 31﴾ “ويجركم” أي ويخلصكم “من عذاب أليم” قال علي بن إبراهيم فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ف آمنوا به وعلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم شرائع الإسلام وأنزل الله سبحانه قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن إلى آخر السورة وكانوا يفرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في كل وقت وفي هذا دلالة على أنه كان مبعوثا إلى الجن كما كان مبعوثا إلى الإنس ولم يبعث الله نبيا إلى الإنس والجن قبله. قوله جل جلاله “قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا” ﴿الجن 22﴾ “إني لن يجيرني من الله أحد” أي لا يمنعني أحد مما قدره الله علي “ولن أجد من دونه” أي من دون الله “ملتحدا” أي ملتجأ إليه أطلب به السلامة “إلا بلاغا من الله” أي تبليغا من الله آياته “ورسالاته” فإنه ملجأي ومنجاي وملتحدي ولي فيه الأمن والنجاة عن الحسن والجبائي وقيل معناه لا أملك لكم ضرا ولا رشدا فما علي إلا البلاغ عن الله فكأنه قال لا أملك شيئا سوى تبليغ وحي الله بتوفيقه وعونه عن قتادة.

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي:  قوله جل جلاله “قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا” ﴿الجن 22﴾ الإجارة إعطاء الجوار وحكمه حماية المجير للجار ومنعه ممن يقصده بسوء، والظاهر أن الملتحد اسم مكان وهو المكان الذي يعدل وينحرف إليه للتحرز من الشر، وقيل: المدخل ويتعلق به قوله: “من دونه” وهو كالقيد التوضيحي والضمير لله والبلاغ التبليغ. وقوله: “إلا بلاغا” استثناء من قوله: “ملتحدا” وقوله: “من الله” متعلق بمقدر أي كائنا من الله وليس متعلقا بقوله: “بلاغا” لأنه يتعدى بعن لا بمن ولذا قال بعض من جعله متعلقا ببلاغا: إن “من” بمعنى عن، والمعنى على أي حال إلا تبليغ ما هو تعالى عليه من الأسماء والصفات. وقوله: “ورسالاته” قيل: معطوف على “بلاغا” والتقدير إلا بلاغا من الله وإلا رسالاته وقيل: معطوف على لفظ الجلالة ومن بمعنى عن، والمعنى إلا بلاغا عن الله وعن رسالاته. وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” ﴿الأحقاف 31﴾ استجيبوا إلى دعوة الحق، واتبعوا الداعي إليها يكفّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم في رحمته، وينجكم من غضبه وعذابه.

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله “قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا” ﴿الجن 22﴾ وعلى هذا الأساس لا يستطيع أحد أن يجيرني منه تعالى ولا شيء يمكنه أن يكون لي ملجأ وهذا الخطاب يشير من جهة إلى الإقرار الكامل بالعبودية للّه تعالى، وإلى نفي كلّ أنواع الغلو في شأن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة أُخرى، ويشير من جهة ثالثة إلى أنّه الأصنام ليس فقط لا تنفع ولا تحمي، بل إنّ نفس الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً مع ما له من العظمة لا يمكنه أن يكون ملجأ من عذاب اللّه، وينهى من جهة الذرائع والآمال للمعاندين الذين كانوا يطلبون من النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يريهم المعاجز الإلهية، ويثبت أن التوسل والشفاعة أيضاً لا يتحققان إلاّ بإذنه تعالى. “ملتحداً”: هو المكان الآمن وهومن أصل (لحد)، وتعني الحفرة المتطرفة، كالذي يُتّخذ للأموات في عمق القبر حتى لا ينهال التراب على وجه الميت ويطلق على كل مكان يُلجأ ويُطمأن إليه. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *