رياض سعد
لا يُنكر مُتابع أن ردود الفعل المُتصاعدة من بعض الأطراف السورية، سواءً عبر منصات التواصل الاجتماعي أو الإعلام المحلي، تُقدِّم قراءةً مثيرةً للجدل حول طبيعة التبرعات العراقية الأخيرة لسوريا… ؛ فبدلًا من اعتبارها خطوةً إنسانيةً لمساعدة شعبٍ يعاني ويلات الحرب، سارع بعض الناشطين السُّنة، واغلبية عناصر الحركات الارهابية والفصائل المسلحة التابعة للجولاني ، إلى تصوير هذه المساعدات على أنها «جزية» يُجبر العراقيون على دفعها، بل ذهبوا إلى وصفها بـ«الخاوة والاتاوة» التي تُؤخذ رغم أنوفهم!
جدلية «الجزية»… بين التاريخ والسياسة:
لا يخفى أن مصطلح «الجزية» يحمل دلالاتٍ تاريخيةً مرتبطةً بالعهود الإسلامية الأولى، حيث كانت تُفرض على غير المسلمين مقابل حمايتهم او عدم قتلهم والبطش بهم … ؛ لكن استخدام هذا المصطلح اليوم في سياقٍ سياسيٍ معاصر يُشير إلى محاولةٍ لـتجييش الرأي السني العام عبر استدعاء رموز الماضي لتبرير صراعات الحاضر… ؛ والأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب لم يقتصر على الأوساط المُتطرفة، بل امتد إلى بعض الشخصيات العامة والقواعد الشعبية والتجمعات الجماهيرية … ؛ اذ تُكثِّف الجماعات الإرهابية والطائفية وحساباتها الوهمية على منصات التواصل من حملاتها لـتشويه صورة العراق، عبر خلط الأوراق بين الموقف السياسي والعمل الإنساني… ؛ فبدلًا من مناقشة شرعية الحكومات أو فاعلية السياسات، يتم اختزال العلاقة بين البلدين في سرديةٍ طائفيةٍ ضيقة، تُحوِّل القمح إلى «سلاح إيديولوجي»، والمساعدات إلى «مهانةٍ وطنية»!
نعم يُظهر هذا الطرح تشويهًا مُتعمدًا لمفهوم الجزية الشرعي، الذي ارتبط في التاريخ الإسلامي بضمان حقوق غير المسلمين تحت الحماية الإسلامية، وتحويله إلى أداةٍ لتحقير الخصوم… ؛ والأخطر من ذلك كما قلنا انفا ، أن هذه الجماعات تسعى إلى تجييش العواطف الدينية عبر وصف المساعدات بـ«الخاوة والاتاوة والجزية »، في محاولة لطمس الطبيعة الإنسانية للدعم العراقي ، وتصوير العراق كـ«دولة مهزومة» تدفع إتاوات لقوى منتصرة!
لا يُمكن فهم ردود الفعل العنيفة التي أطلقتها فصائل «هيئة تحرير الشام» (المعروفة إعلاميًا بجماعات الجولاني) وغيرها , ووسائل إعلامها التابعة، إثر تقديم العراق مساعدات إنسانية إلى سوريا، إلا في إطار الخطاب الإقصائي الذي تتبناه هذه الجماعات، والذي يحوِّل أي فعل إنساني إلى ذريعة للصراع المذهبي والايديولوجية الطائفية ؛ فبدلًا من اعتبار الدعم العراقي محاولة لتخفيف المعاناة عن الشعب السوري، سارعَت آلةُ هذه الجماعات الإعلامية إلى تصويره على أنه «جزية» يدفعها «المشركون العراقيون» عن يد وهم صاغرون !
مما دفع الناشط السوري المعارض صفوك الشيخ الى الاعتراض على ابناء شعبه وتسفيه حملاتهم الاعلامية ، فقد شنَّ هجومًا لاذعًا على الجماعات السورية السنية ؛ وشكر العراق على تلك التبرعات العراقية، واعتبر هذه الشراذم السنية السورية شاذة عن جادة الدين والعروبة والانسانية ؛ اذ ان من عادة العرب وعقلاء الناس مقابلة البر بالشكر , وجزاء الاحسان بالإحسان وليس بالنكران والاساءة .