الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في كتاب الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء عليها السلام للشيخ إسماعيل الأنصاري الزنجاني: وليمة عرسهما عليهما السلام: قال عبد المنعم الهاشمي: و بعد انتهاء الخطبة دعا لهما بحسن المعاشرة و بالذرية الصالحة المباركة. و بعد أن أتمّ عقد الزواج أحضر الرسول صلّى اللّه عليه و آله للحاضرين من المهاجرين و الأنصار بعضا من التمر و قدّمه إليهم قائلا: تخاطفوا. و بعد ذلك قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله: يا علي إنه لا بدّ للعروس من وليمة. قال سعد بن أبي وقاص مبادرا في الحديث: عندي كبش. و أهداه إلى هذا الحفل الكريم، و جمع رهط من المسلمين أغلبهم من الأنصار آصعا من ذرة، و أكل الجميع في حفل عرس بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: لمّا خطب علي فاطمة (عليهما السلام) قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنه لا بدّ للعروس من وليمة. قال سعد: عليّ كبش، و قال فلان: عليّ كذا و كذا من ذرة. عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: هممت بتزويج فاطمة عليها السلام حينا، و لم أجسر على أن أذكره لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أن قال: ثم نادى مناد من تحت العرش: ألا إن اليوم وليمة علي بن أبي طالب إلى آخر الحديث. قال عبد المنعم محمد: و لمّا كانت ليلة العرس في أوائل ذي الحجّة على رأس اثنين و عشرين شهرا من الهجرة، أو لم علي بن أبي طالب عليه السلام وليمة يبدو أنه بذل فيها الكثير ممّا أفاء اللّه عليه من بدر و من بني قينقاع، فما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته. و قدّم أخوال الرسول من الأنصار لعلي عليه السلام بعض الهدايا العينية مشاركة منهم في إعداد هذه الوليمة على مألوف عادة الأهل و الأقارب، فقدّم سيد الأوس سعد بن معاذ كبشا كما قدّموا بعضا من ذرة. فلمّا انتهت الوليمة انتقلت أفضل عروس إلى منزل كان علي عليه السلام قد أعدّه لسكناهما، قد زفت إليه و هى تلبس بردين، تتحلى بدملوجين من فضة مصفرين بزعفران، و سعدت بحضور زفافها شقيقتاها زينب و أم أيمن، و معهن لفيف من فضيلات بني النجار، جئن ليهدينها إلى أشجع فتيان المسلمين علي بن أبي طالب عليه السلام. أبو بكر ابن مردويه في حديثه: فمكث علي عليه السلام تسعا و عشرين ليلة، فقال له جعفر و عقيل: سله أن يدخل عليك أهلك. فعرفت أم أيمن ذلك و قالت: هذا من أمر النساء. و خلت به أم سلمة فطالبته بذلك، فدعاه النبي صلّى اللّه عليه و آله و قال: حبّا و كرامة. فأتى الصحابة بالهدايا، فأمر بطحن البر و خبزه، و أمر عليّا بذبح البقر و الغنم، فكان النبي صلّى اللّه عليه و آله يفصل و لم ير على يده أثر دم. فلمّا فرغوا من الطبخ أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله أن ينادي على رأس داره: أجيبوا رسول اللّه. و ذلك كقوله: (و أذّن في الناس بالحجّ). فأجابوا من النخلات و الزروع، فبسط النطوع في المسجد، و صدر الناس و هم أكثر من أربعة آلاف رجل و سائر نساء المدينة، و رفعوا منها ما أرادوا و لم ينقص من الطعام شيء، ثم عادوا في اليوم الثاني و أكلوا، و في اليوم الثالث أكلوا مبعوثة أبي أيوب. ثم دعا رسول اللّه بالصحاف فملئت، و وجّه إلى منازل أزواجه ثم أخذ صحفة و قال: هذا لفاطمة و بعلها إلى آخر الحديث.
ويستطرد الشيخ إسماعيل الأنصاري الزنجاني في موسوعته الكبرى عن وليمة عرسهما عليهما السلام قائلا: عن ابن عباس، قال: كانت فاطمة عليها السلام تذكر لرسول اللّه فلا يذكرها أحد إلّا صدّ عنه حتى يئسوا منها إلى أن قال: ثم دعا صلّى اللّه عليه و آله بلالا، فقال: يا بلال إني قد زوّجت ابنتي من ابن عمّي، و أنا أحب أن يكون من سنّة أمتي الطعام عند النكاح، فائت الغنم فخذ شاة منها و أربعة أمداد، فاجعل لي قصعة لعلي عليه السلام أجمع عليها المهاجرين و الأنصار، فإذا فرغت منها فآذنّي بها. فانطلق ففعل ما أمر به، ثم أتاه بقصعة فوضعها بين يديه. فطعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في رأسها، ثم قال: أدخل عليّ الناس زفّة زفّة، لا تغادر زفّة إلى غيرها. يعني إذا فرغت زفّة لم تعد ثانية، فجعل الناس يزفّون، كلّما فرغت زفّة وردت أخرى حتى فرغ الناس. ثم عمد النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى فضل ما فيها فتفل فيه و بارك، و قال: يا بلال احملها إلى أمهاتك و قل لهنّ: كلن و أطعمن من غشيكن إلى آخر الحديث. قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لمّا أردت أن أجمع فاطمة عليها السلام أعطاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مصرّا من ذهب، فقال: ابتع بهذا طعاما لوليمتك. قال عليه السلام: فخرجت إلى محافل الأنصار فجئت إلى محمد بن مسلمة في جرين له قد فرغ من طعامه، فقلت له: بعني بهذا المصرّ طعاما، فأعطاني حتى جعلت طعامي. قال: من أنت؟ قلت: علي بن أبي طالب. فقال: ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ قلت: نعم. قال: و ما تصنع بهذا الطعام؟ قلت: أعرّس. فقال: و بمن؟ قلت: بابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. قال: فهذا الطعام و هذا المصر الذهب فخذه فهما لك. فأخذته و رجعت، فجمعت أهلي إليّ. و كان بيت فاطمة عليها السلام لحارثة بن النعمان، فسألت فاطمة النبي صلّى اللّه عليه و آله أن يحوّله، فقال صلّى اللّه عليه و آله لها: (لقد استحييت من حارثة مما يتحوّل لنا عن بيوته). فلمّا سمع بذلك حارثة انتقل منه و أسكنه فاطمة عليها السلام. و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يأتي الأنصار في دورهم فيدعو لهم بالبركة، فيجتمعون إليه فيذكّرهم و يحذّرهم و ينذرهم، و يأتونه بصبيانهم. و يروى أن عليا عليه السلام كان يستقي الماء ليهودي كل دلو بتمرة. و يروى أنه آجر نفسه يسقي نخلا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح. و قال عليه السلام: لمّا أردت أن ابتني بفاطمة عليها السلام، و أعددت رجلا صوّاغا على أن يرتحل معي، فنأتي بإذخر فنبيعه من الصوّاغين فاستعين به على وليمة عرسي.
ويستمر الشيخ الزنجاني في كتابه الموسوعة عن وليمة عرسهما عليهما السلام قائلا: قال ابن الأثير: في حديث تزويج فاطمة عليها السلام: إنه صنع طعاما و قال لبلال: أدخل الناس عليّ زفّة زفّة، أي طائفة بعد طائفة، و زمرة بعد زمرة، سمّيت بذلك لزفيفها في مشيها و إقبالها بسرعة. عن جابر، قال: حضرنا وليمة علي و فاطمة عليها السلام، فما رأيت وليمة أطيب منها. أخرجه أبو بكر بن فارس. عن علي عليه السلام، قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله أعطاني شارفا مما أفاء اللّه عليه من الخمس يومئذ، فلما أردت أن ابتني بفاطمة ابنة النبي صلّى اللّه عليه و آله، و أعددت رجلا صوّاغا في بني قينقاع أن يرتحل معي فيأتي بإذخر أردت أن أبيعه في الصوّاغين، فاستعين به في وليمة عرسي. فبينا أنا أجمع بشارفيّ متاعا من الأقتاب و الغرائر و الحبال، و شارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت إلى آخره. عن أبي بريدة، عن أبيه، قال: لمّا أراد النبي صلّى اللّه عليه و آله أن يجهّز فاطمة عليها السلام إلى علي عليه السلام، قال لأصحابه: لا بدّ للعرس من وليمة. فقال سعد بن أبي وقّاص: يا رسول اللّه عندي كبش. و قال آخر: عندي فرق من ذرة.
عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال: لمّا زوّج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام قال: من حضر نكاح علي عليه السلام فليحضر طعامه. فضحك المنافقون و قالوا: إن الذين حضروا العقد حشر من الناس، و إن محمدا سيصنع طعاما لا يكفي عشرة أناس، فسيفتضح محمد اليوم. و بلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله، فدعا عمّيه حمزة و العباس و أقامهما على باب داره و قال لهما: أدخلا الناس عشرة عشرة. و دعا بعلي و عقيل فآزرهما ببردين يمانيين و قال لهما: انقلا على أهل التوحيد الماء، و اعلم يا أخي إن خدمتك للمسلمين أفضل من كرامتكم. فجعل الناس يردون عشرة عشرة فيأكلون و يصدرون، حتى أكل الناس من طعامه ثلاثة أيام، و النبي صلّى اللّه عليه و آله يجمع بين الصلاتين في الظهر و العصر و في المغرب و العشاء الآخرة. ثم دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله بعمّه العباس فقال له: يا عم ما لي أرى الناس يصدرون و لا يعودون؟ قال: يا ابن أخي لم يبق في المدينة مؤمن إلّا و قد أكل من طعامك، حتى أن جماعة من المشركين دخلوا في عداد المؤمنين فأحببنا أن لا نمنعهم، ليروا ما أعطاك اللّه تعالى من المنزلة العظيمة و الدرجة الرفيعة. فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله له: أ تعرف عدد القوم؟ فقال: لا أعلم، و لكن إذا أحببت أن تعرف عددهم فعليك بعمّك حمزة. فدعا صلّى اللّه عليه و آله حمزة، فجاء و هو يجرّ سيفه على الصفا، و كان لا يفارقه شفقة على دين اللّه، و لمّا دخل رأى النبي ضاحكا، فقال صلّى اللّه عليه و آله له: ما لي أرى الناس يصدرون و لا يعودون؟ قال: لكرامتك على ربك، لقد أطعم الناس من طعامك حتى ما تخلّف عنه موحّد و لا ملحد. فقال صلّى اللّه عليه و آله: كم طعم منهم؟ هل تعرف عددهم؟ قال: و اللّه ما شذّ عليّ رجل واحد لقد أكل من طعامك في أيامك الثلاثة بعدّتها ثلاثة آلاف من المسلمين و ثلاثمائة رجل من المنافقين. فضحك النبي حتى بدت نواجذه، ثم دعا بصحاف و جعل يغرف فيها و يبعث به مع عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن عقبة إلى بيوت الأرامل و الضعفاء و المساكين، من المسلمين و المسلمات، و المعاهدين و المعاهدات، حتى لم تبق يومئذ بالمدينة دار و لا منزل إلّا دخل عليه من طعامه صلّى اللّه عليه و آله. ثم قال صلّى اللّه عليه و آله: هل فيكم رجل يعرف المنافقين؟ فأمسك الناس، فقال: صلّى اللّه عليه و آله: أين حذيفة بن اليمان؟ قال حذيفة: و كنت في ضعف من علّة بي، و بيدي هراوة أتوكّأ عليها، فلمّا سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يسأل عنّي لم أملك نفسي أن قلت: لبيك يا رسول اللّه فقال صلّى اللّه عليه و آله لي: هل تعرف المنافقين؟ فقلت: ما المسئول بأعلم من السائل. فقال صلّى اللّه عليه و آله لي: ادن منّي. فدنوت، فقال صلّى اللّه عليه و آله لي: استقبل القبلة بوجهك. ففعلت، فوضع النبي صلّى اللّه عليه و آله يمينه بين منكبيّ فوجدت برد أنامله على صدري، و عرفت المنافقين بأسمائهم و أسماء آبائهم و أمهاتهم، و ذهبت العلّة من جسدي، و رميت هراوتي من يدي، فقال صلّى اللّه عليه و آله لي: انطلق و ائتني بالمنافقين رجلا رجلا. قال: فلم أزل أدعوهم و أخرجهم من بيوتهم، و أجمعهم حول منزل النبي صلّى اللّه عليه و آله حتى جمعت مائة و اثنين و سبعين رجلا ليس فيهم من يؤمن باللَّه و يقرّ بنبوّة رسوله.