عدنان طعمة
قبل نحو أشهر قليلة ، أرسلت شركة فيسبوك استبيانا يمكن أن أصفه بأنه من الوزن الثقيل، إذ حملت ديباجته إشارة إلى أن مركز أبحاث الشركة انتقى بعناية شريحة محدودة من الصفحات للإجابة عنه، دون ظهور أسماء المشاركين حفاظا على خصوصيتهم. وعندما اطلعت بدقة على محتوى هذه الاستبانة، اكتشفت من خلال طبيعة الأسئلة المطروحة أن القائمين عليها يمتلكون فهما عميقا لاتجاهات الرأي العام الشيعي العراقي ، وثقافته، وهواجسه وهمومه، فبدا واضحا لي أن هناك تقنيات متقدمة قادرة على جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالموضوعات التي ينشرها الشيعة على منصة الفيسبوك، وقد وصلوا إلى رسم صورة مركبة عن وعي هذه الفئة الاجتماعية ومشاعرها تجاه واقعها.
ومع التركيز أكثر على بنية تلك الأسئلة، تبلورت لدي قناعة بأن الشركة، ومن خلفها مؤسسات أبحاثها، توصلت إلى استنتاج ان الشيعي يعيش حالة غربة مزدوجة، غربة الإنسان في وطنه ومدنه، وغربة الانتماء في فضاء اجتماعي وسياسي يعامل هويته بريبة أو استغلال.
أعتقد الشيعي العراقي يعيش غربة مركبة، غربة الجسد في محيط إقليمي أسهم في حصاره، وغربة الروح في وطن حكمه فاسدين باسم مقدساته، ثم أدير بفساد بعيد كل البعد عن نهج الامام الحسين.
يدرك الشيعي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أنه محاط بدول صنعت جدرانا غير مرئية حوله، وأن سقوط نظام بشار الأسد العلوي، وتراجع قوة حزب الله وضرب جمهورية ايران الاسلامية، جعل منه أن يشعر بأن الدور ربما جاء عليه، وأن الولايات المتحدة لن تتردد في أن تسلط عليه دكتاتورا جديدا يختزل وطنه في حقل نفط وقواعد عسكرية وحزب من العصابات تفتك بمجتمعاته..
غربة الشيعي العراقي ليست غربة جغرافيا فقط، بل هي غربة وجودية، إذ يرى حكامه وقد تاجروا بالدين والمذهب، وبنوا عروشهم من مال فاسد، مستخدمين شعارات الحسين بن علي كأغطية سياسية لتمرير أخطائهم الجسيمة. تتضاعف غربته وهو يرى تلك الشعارات النقية وقد استعملت لتبرير فساد السلطة ونهب الشعوب