رياض سعد
إن الأرواح التي تنتمي إلى بعضها، لا تخطئ طريقها أبداً، مهما تاهت في دروب الزمن أو ابتعدت في جغرافيا المسافات… ؛ فهناك خيط غير مرئي، يشبه نسمة من الغيب، أو لحنًا خفيًا يعزفه القدر في أعماق الوعي ، يجعلها تعود إلى بعضها في اللحظة التي تُخلق لها… ؛ فالأرواح حين تتآلف، لا تفعل ذلك بالصدفة، بل لأن كيمياءها القديمة تعرف لغة النداء والعودة.
تلتقي الأرواح كما تلتقي الأمواج بالشاطئ الذي كُتب لها، وإن حالت بينهما العواصف حيناً، فإنها لا تنسى مواعيدها الأبدية… ؛ فالانسجام الحقيقي لا يشيخ، ولا تذروه الرياح… ؛ و هو كصوت داخلي، خافت، لكنه عنيد، يدفعك نحو من يشبهك في الصمت، وفي الحلم، وفي الوجع أيضاً.
وأحياناً، يكون الفراق ضرورة مقدسة… ؛ فبعض الأرواح لا تستطيع أن تسكن معاً قبل أن تنضج، قبل أن تمرّ بالاختبار، وتتعلم كيف تحب دون أن تملك، وكيف تمنح دون أن تتنازل عن ذاتها… ؛ فالحب لا يكفي وحده، ما لم يسانده وعي، وصبر، ونضوج روحي يجعل البقاء ممكناً… ؛ لذلك، لا يجتمع العاشقان في اللحظة الأولى دائماً، بل في اللحظة الصحيحة… ؛ لأن اللقاء المبكر قد يفسد النعمة، كما أن المطر قبل الغيم لا يُثمر… ؛ فعلى الإنسان أن يكتمل أولاً، أن يُصلح حدائقه الداخلية، أن يتعلم كيف يكون مأوى لا عبئاً، وسلاماً لا عاصفة.
فالشخص المناسب لا يأتي في الوقت الذي نريده، بل في الوقت الذي نصبح فيه قادرين على الاحتفاظ به… ؛ حينها يصبح الحب مرآة لنمونا، لا سبباً لانكسارنا… ؛ فكل من نعبر طريقه يترك فينا درساً أو جرحاً أو نوراً، لكن وحده من كُتب أن يبقى، يجيء ليكمل ما بدأته الحياة فينا من تكوين وتحوّل وصيرورة .
وحين تفرّقنا الحياة إلى طرق مختلفة، فذلك ليس نهاية، بل تدريب على الفهم… ؛ لأن العودة لا تكون إلا بعد وعيٍ أعمق، وبعد أن يتهذّب القلب ويصفو… ؛ عندها، نلتقي من جديد، لا كغريبين، بل كمن عرفا سرّ الانتظار، وسرّ الامتلاء بالحب دون خوف من الفقد.
لا يهم إن كان ذلك الذي تناديه روحك قد مرّ فعلاً في طريقك، أو ما زال قادماً من بعيد… ؛ المهم أن تزرع الحب في داخلك أولاً، أن تنضج مشاعرك، وتُنمّي وعيك، وتجعل من قلبك مكاناً يستحق أن يسكنه الحب… ؛ فحين تصبح أنت بيتاً من نور، سيأتي من يشبه ضوءك، عاجلاً أم آجلاً… ؛ لأن الأرواح التي تتناغم …؛ تعرف طريقها دائماً، حتى وإن عبرت ألف ليلٍ من الغياب.